حجة أهل القول الثالث: الآيات المذكورة وفيها ما يفيد حدوث صوت مسموع داع للخلق لاجتماعهم إلى عرصة المحشر ونحوها قوله تعالى: ?إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ?{يس:53}، ?مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ?{القمر:8}، قال سيد المحققين: وما ذكر الإمام أحمد بن سليمان عليه السلام محتمل،ويحتمل أن الصوت الذي ذكره الله في القرآن هو غير الصور المذكور في القرآن.
قلت: الأظهر والله أعلم أن ذلك الصوت هو الذي يحدث عند النفخ في الصور، لأنه إذا نفخ في القرن الذي هو معنى الصور لغة تولد منه صوت عنده يجتمع الناس في النادي، فإطلاق الصور على الصوت من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم تجوزاً.
واختلف أيضاً هل ينفخ فيه مرتين فقط أو ثلاثاً، فقال سيد المحققين: وهو ظاهر كلام الهادي عليه السلام أنه نفختان فقط لقوله تعالى: ?وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ?{الزمر:68}، ولا دليل على الثالثة، وقيل: بل ثلاث، ويدل على الثالثة قوله تعالى: ?وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ?{النمل:87}، وذكر أبو الليث السمرقندي الأول في رواية كعب والثاني في رواية أبي هريرة، وكان أهل القول الأول يجعلون الفزع والصعق بمعنى واحد أو هما متلازمان، وأهل القول الثاني يجعلون كلاً منهما على حدته تكون عنده نفخة فتكون اثنتان مع الثالثة نفخة القيام.(1/1426)
والفزع: هو الخوف، قال في المصباح: فَزِعَ منه فَزَعاً فهو فَزِع من باب تعب خاف وأفزعته وفزعته ففزع، وفزعت إليه لجأت، وهو مفزع - أي ملجأ - انتهى، والصعق: الموت والغشيان، فهو يأتي لمعنيين، قال في المصباح: صعق صعقاً من باب تعب مات، وصعق غشي عليه لصوت سمعه، والصعقة الأولى النفخة، والصاعقة النازلة من الرعد، والجمع: صواعق، ولا تصيب شيئاً إلا أدركته وأحرقته انتهى.
قلت: ومنه قصة موسى عليه السلام مع السبعين الرجل لما ذهب إلى الجبل فإنهم لما قالوا: أرنا الله جهرة، صعقوا وماتوا لما أخذتم الصاعقة وخر موسى صعقاً - أي مغشياً عليه - لما سمع الصاعقة أو لما رأى من موتهم وتدكدك الجبل وأخذهم بالرجفة، فقوله تعالى: ?وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ?، أي خاف خوفاً شديداً ولأجل ذلك مات كل حي في السماوات وفي الأرض إلا من شاء الله أو غشي عليه، فنفخة الفزع ونفخة الصعق واحدة عندها حصل الأمران الخوف والموت أو الغشيان إلا لمن شاء الله.
وقد اختلف من المراد بالاستثناء: قال في الكشاف: إلا من ثبت الله قلبه من الملائكة قالوا هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت عليهم السلام، وقيل: الشهداء، وعن الضحاك: الحور وخزنة النار وحملة العرش، وعن جابر: منهم موسى عليه السلام لأنه صعق مرة انتهى.
وعلى هذا أن المراد بالصعق الغشيان وزوال العقل دون الموت فكل أحد ميت عند أجله، وقيل: المراد يموت كل حي إلا جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش ثم يموتون بعد ذلك، هذا على القول بأنها نفختان فقط، فأما على القول بأنها ثلاث: واحدة عندها يقع الفزع، وواحدة عندها يقع الصعق، والثالثة نفخة القيامة، فلعل أن الاستثناء كذلك وكل على أصله.(1/1427)
والأظهر والله أعلم أن المراد بالاستثناء كل المؤمنين الذين لا خوف عليهم من النار ولاهم يحزنون، فيعم من ذكر وغيرهم من سائر المؤمنين، ويكون المراد بالفزع الخوف، والمراد بالصعق الغشيان وزوال العقل لشدة الصعق وشدة الوقعة وهول المحشر دون الموت، فقد وقع قبله على كل حي سوى الدائم الذي لا يموت، وإنما قلنا بذلك لقوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ?{فصلت:30}، وقوله تعالى في المؤمنين: ?لا يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ?{الأنبياء:103}، وقوله تعالى:?وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ?{النمل:89}، فنصت هذه الآيات وغيرها أنه لا فزع على المؤمنين، وبانتفائه ينتفي الصعق من باب الأَوْلَى، فيكونون هم المرادون بذلك الاستثناء مع من ذكر من الشهداء وجميع الملائكة عليهم السلام والله أعلم، فنسأل الله التوفيق لموجب العِدَاد في جملتهم والحشر في زمرتهم آمين، وهذا قول أئمتنا عليهم السلام والبصرية، أعني أنه لا فزع ولا غم يلحق المؤمنين يومئذ، وقال أبو القاسم البلخي: وروي عن ابن الإخشيد يجوز اغتمامهم واغتمام الأنبياء عليهم السلام بما يشاهدون من أهوال يوم القيامة لآيات وأحاديث وردت في اغتمام أهل المحشر وفزعهم.
لنا: الآيات المذكورة، ولأنه ضرر فلا يحسن إلا لاستحقاق أو جلب نفع أو دفع ضرر أعظم منه ولا شيء من ذلك، فلا وجه له والله أعلم.(1/1428)
بعثرة القبور
[ و ] من أحوال الآخرة: [ بعثرة القبور ] البعثرة نحت مركب من بعث ونشر، والنحت تركيب كلمة من حروف كلمتين ليدل على معنييهما معاً كالحيعلة والعوذبة والحولقة، قال في الكشاف: البعثرة: مركب من بعث وبحث، وفيه نظر إذ لو كان كذلك لما كان لذكر الراء وجه لأنه ليس من حروف إحدى الكلمتين، وقال فيه في تفسير قوله تعالى: ?إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ?{البقرة:246}، أَنهض للقتال معنا أميراً، فالبعث إنهاض الأموات من قبورهم ثم نشرهم، وهو إخراجهم منها لجمعهم إلى المحشر، قال الله تعالى: ?وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ?{الحج:7}، وقال تعالى: ?وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا?{الزلزلة:2}، وقال تعالى: ?ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ o ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ?{عبس:21،22}، وقال تعالى:?مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى?{طه:55}، وهو معلوم من الدين ضرورة.
واختلف في عذاب القبر فقال الجمهور بثبوته، وحكاه في الأساس لأئمتنا عليهم السلام، ولم يستثن إلا قديم قولين للإمام أحمد بن سليمان عليهما السلام، وحكى الخلاف في ذلك عن المرتضى الموسوي، وذكره الشارح مشيراً إلى ضعف الرواية بقوله: قيل وهو قول الناصر وابني الهادي، ورواه الإمام المطهر عن الهادي عليهما السلام، ومثله حكاه بصيغة التضعيف شيخنا رحمه الله تعالى عمن ذكر، وعن الحسين بن القاسم عليهما السلام عن أبي القاسم البستي من الشيعة، ومن المعتزلة بشر المَرِيْسِي وغيره، ومن المجبرة يحيى بن كامل وضرار بن عمرو، قال شيخنا رحمه الله تعالى: والله أعلم كيف الرواية عن الأئمة عليهم السلام، قال: وقد وجدت للهادي عليه السلام ما يؤخذ منه أن العذاب في القبر بالغم فقط والله أعلم، قال وحجتهم من العقل أنا إذا كشفنا الميت لم نجد شيئاً ونحو هذا.(1/1429)
قلنا: أحوال البرزخ مخالفة لحكم العقل انتهى، قال في الأساس: لنا أخبار صحيحة وردت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال شيخنا رحمه الله تعالى بلغت حد التواتر المعنوي، ولقوله تعالى: ?النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ?{غافر:46}، قال القرشي في المنهاج: فَبَيَّن أنهم يعرضون على النار قبل يوم القيامة وإنما يكون كذلك مع الحياة، واحتج بها في القلائد وبقوله تعالى: ?رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ?{غافر:11}، قال الشارح: فأثبت موتتين فإحداهما هي التي في الدنيا والأخرى لابد أن تكون قبل الحشر لأنه لا موت بعد الحشر، فلا بد من حياة بين الموتتين ضرورة، وحينئذ لا فائدة في تلك الحياة إلا لعقاب أو ثواب، وإلا كان فعلها عبثاً والعدل الحكيم منزه عنه، وحينئذ قد ثبت عذاب القبر بين الموتتين وهو المطلوب.
قال: فإن قيل: يلزم أن تكون الإحياءات ثلاثا: واحدة في الدنيا، وواحدة بين الموتتين، وواحدة وقت المحشر، وهو مخالف للآية الكريمة، فإنه جعل الحياة فيها اثنتين فقط.
قلنا: قد أجاب عنه الشيخ أبو علي في تفسيره وقال: إن إثبات حياتين لا ينفي ثالثة إذ لا يؤخذ بمفهوم المخالفة، ولو لم يجعل إلا حياتين فقط لزم أن لا يثبت إلا موتة واحدة، وهو خلاف منطوق الآية، ومخالفة المفهوم لا سيما وهو غير مأخوذ به أولى من مخالفة المنطوق الذي هو مأخوذ به، وقد ذهب بعضهم إلى إثبات حياتين فقط، حياة الدنيا وحياة المحشر، وإثبات موتتين إحداهما: وهي موتة الدنيا، والأخرى مجاز وحي حال كون الإنسان نطفة مواتاً، قال: وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ?وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ?{البقرة:28}، فإنه أثبت الموتتين والحياتين على ما ذكرنا.(1/1430)