الحساب
وأما الحساب: فهو أيضاً لا خلاف فيه بين الأمة، وهو قول الكتابيين والخلاف فيه لمن ينفي الإعادة، وهو أيضاً معلوم من الدين ضرورة على الجملة، وهو مصدر حاسب يحاسب حساباً، ويأتي بمعنى نفس المحاسبة وهو المراد هنا، قال في الأساس وشرحه: والحساب يحصل به تعجيل مسرة للسعيد بنشر الحسنات وتعجيل عقوبة بالحسرة والندامة للشقي بكشف السيئات مع إظهار عدل الله سبحانه وحكمته وصدق وعده ووعيده والإنصاف من الله سبحانه لعباده، حيث أوقفهم تعالى على ما أسلفوه ولم يؤاخذهم تعالى بقدرته ، قوله: ولم يؤاخذهم بقدرته، ينظر ما معناه، لأنه سيؤاخذهم بقدرته وعلمه وعدله، فلعل أن الصواب: ولم يؤاخذهم من دون أن يشعرهم ويعلمهم بأعمالهم، وذلك بأن يحاسبهم عليه حتى يعلموا أنه الحق، وهذا تعليل وتبيين لوجه الحساب فيحاسبهم الله سبحانه وتعالى على أعمالهم أولاً ثم يجازيهم عليها لأنه لو لم يحاسبهم وأخذهم بالعنف والعذاب والملاطفة والثواب بغتة لما كان ثمة معلومية لديهم الاستحقاق المتفرع عليه ظهور عدل الله سبحانه وإنصافه، وإن فرضنا أنه يخلق فيهم علماً ضرورياً بذلك فليس فيه وقوف على حقيقة ما يستحقونه، وعِلْمٌ بأنه جزاء على ما أسلفوه كما في المحاسبة على النقير والقطمير، وقد ورد في الكتاب العزيز والسنة ما يدل على أن المؤمن يحاسب حساباً يسيراً وينقلب إلى أهله مسروراً والعكس في المجرم، نسأل الله السلامة.(1/1421)
وورد في السنة أن مواقف الحساب خمسون موقفاً بعضها عند النشر من القبور، وبعضها في عرصة المحشر، وبعضها عند تطاير الصحف وأخذ الكتب باليمين والشمال، وبعضها عند الميزان، وبعضها عند الصراط، وباقيها مواقف يسأل فيها عن كل واحدة من الطاعات بخصوصها كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وبر الوالدين وصلة الرحم إلى غير ذلك من الطاعات، وبعضها يسأل فيها عن كل واحد من المعاصي بخصوصها كالزنا وشرب الخمر والنميمة والغيبة وأكل الربا وأكل مال اليتيم إلى غير ذلك من المعاصي، فالمؤمن يتخلص من جميع هذه المواقف ويحاسب حساباً يسيراً.
وورد في السنة أنه كما بين الحلبتين، وفي بعضها كما يؤدي الصلاة المكتوبة، والمجرم بارتكاب أي معصية من المعاصي المذكورة المسؤول عنها في ذلك الموقف أو بالإخلال بأي طاعة من الطاعات المذكورة المسؤول عنها في ذلك الموقف، يحبس فيه ألف عام في العطش والجوع وحر الشمس، ثم يخلص إلى ما بعده من المواقف، وكذلك إلى آخرها، ذكره في شمس الأخبار بطوله وفي غيره ما يشهد بصحته ويشهد له قوله تعالى: ?فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ?{المعارج:4}، ولعل المجرم الذي فعل بعض الواجبات وارتكب بعض المحرمات لا يحبس في مواقف ما فعله من الطاعات وفي مواقف ما اجتنبه من المحرمات كما يظهر من لفظ الحديث، ولأنه الموافق للعدل والله أعلم، نسأل الله التثبيت بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، والسلامة من شدة الحساب، والفوز والنجاة يوم المآب.(1/1422)
الجزاء
وأما الجزاء: فالمراد به إيصال الثواب إلى مستحقيه وإيصال العقاب إلى مستحقيه وإنصاف المظلوم من الظالم، وإيصال الأعواض إلى مستحقيها بمقابل الأمراض والغموم والنقائص، وقد مر الكلام على كل هذه المسائل مفصلاً ولله الحمد.(1/1423)
من أحوال الآخرة
النفخ في الصور
[ و ]من أحوال الآخرة: [ النفخ في الصور ] وهو في اللغة يأتي لمعنيين أحدهما: القرن، والثاني: جمع صورة كالصوف جمع للصوفة، والقطن جمع لقطنة، والعطب جمع لعطبة ونحوه ذكره في الأساس، ويحتمل أن هذه أسماء جنس مما يميز واحده بالتاء لا أسماء جمع، والفرق بينهما أن اسم الجنس: يطلق على القليل والكثير سواء ميز واحده بالتاء نحو الأمثلة المذكورة ونحو شجر وبقر أم لا كالماء والتراب، واسم الجمع لا يطلق إلا على ثلاثة فصاعداً، واختلف المتكلمون في الصور الذي ينفخ فيه في الآخرة ما المراد به على ثلاثة أقوال بعد إجماع الأمة على ذلك على الجملة، وهو معلوم بصريح الكتاب، وللإمام زيد بن علي عليهما السلام قولان:
أحدهما: وهو قول السادة والمنصور بالله والأمير المؤلف والمهدي عليهم السلام والجمهور: أنه قرن قد التقمه إسرافيل ينتظر متى يؤمر فينفخ.
الثاني: أنه جمع صورة، والمراد نفخ الروح في الصور أي صور المكلفين أي أجسامهم، وهو قول الهادي والإمام القاسم بن محمد وسيد المحققين عليهم السلام وقتادة وأبو عبيدة.
وقال الإمام أحمد بن سليمان عليهما السلام: بل هو صوت يحدثه الله تعالى لإفزاع الخلائق وإماتتهم وإحيائهم لقوله تعالى: ?يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي لاَ عِوَجَ لَهُ ?{طه:108}، وقوله تعالى: ?يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ ?{القمر:6}، وقوله تعالى: ?وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ o يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ?{ق:41،42}.(1/1424)
حجة أهل القول الأول: أنه في أصل اللغة موضوع للقرن، وأنه يؤخذ فينفخ فيه فيحدث منه صوت يكون عند سماعه اجتماع القوم فيحمل على حقيقته في الآخرة، وأخبار وردت في السنة منها: ما أخرجه الإمام الموفق بالله عليه السلام في أماليه عن زيد بن أرقم مرفوعاً: " كيف أن أنعم وصاحب الصور قد التقم وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ في الصور "، وأخرجه الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما ذكره شيخنا رحمه الله تعالى قال: وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وتركناه اختصاراً.
وفي تنبيه الغافلين للفقيه أبي الليث السمرقندي ما لفظه: وأخبرني الثقة بأسانيد مختلفة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لما فرغ الله تعالى من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه شاخصاً ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر، قلت يا رسول الله: وما الصور ؟ قال: قرن من نور، قلت يا رسول الله: كيف هو ؟، قال: عظيم الدارة، والذي بعثني بالحق نبياً لعظم دارته كعرض السماء والأرض ينفخ فيه ثلاث نفخات "، وفي بعض الروايات أنه نفختان الخ ما ذكره.
حجة أهل القول الثاني: أنه قد أتى في اللغة جمع صورة فيحمل عليه، ولأنه قد جاء في بعض القراءات: ?وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ ?{النمل:87}، - بفتح الواو - وورد أيضاً في بعض القراءات: وَيَوْمَ ننفُخُ، - بنونين - قالوا:ولا دليل على ثبوت القرن ولا وثوق برواية الحشوية عن أبي هريرة.
ولقائل أن يقول: الرواية قد رواها بعض أئمتنا عليهم السلام وغيرهم كالحاكم وأبي الليث السمرقندي وغيرهما من العدلية عن غير أبي هريرة كما مر، ولا مانع والله سبحانه أعلم.(1/1425)