وأقول: أما التمزيق والتبديد والتفريق فقد دل عليه السمع بما لا يسع أحد إنكاره كما قد سمعت من الآيات وهي صرائح لا يمكن تأويل شيء منها فيجب الإيمان والتصديق به، وأما العدم المحض: فلا دلالة عليه قطعية لأن ما ذكر من الآيات يحتمل التأويل فإن الهلاك كما يأتي بمعنى العدم المحض فهو يأتي بمعنى التمزيق والتفريق وإماتة الحي قال تعالى:?فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا?{الحج:45}، وقوله: ?هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ ?، ?كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ o وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ?، ليس نصاً في محل النزاع لأن كونه الآخِر وأنه لا يبقى إلا وجهه بمعنى أن كل حي سواه سبحانه وتعالى يموت، وكل جسم يتغير ويتبدل ويتمزق ويتزاول وهو حي باق لا يموت ولا يتحول ولا يتبدل، ولا يسلم أن الإعادة لا تكون إلا عن عدم محض، بل قد تكون عن عدم محض وقد تكون لا عن عدم محض كما في إهدام المسجد أو الدار وإعادة بنيانهما، وقول الوصي صلوات الله عليه فهو وإن كان عندنا حجة غير أنه متواتر، وإن سلم فهو معارض بما هو أقوى وأصرح في الدلالة على المطلوب على أنه ليس فيه ما يدل على نفي التمزيق والتفريق، وكيف وهو صرائح آيات الكتاب العزيز ولأنه محتمل للتأويل لأنه قوله عليه السلام : حتى يصير موجودها كمفقودها، لم يقل فيه حتى يصير موجودها مفقوداً أو معدوماً، فيصير نصاً لا يحتمل التأويل بل قال كمفقودها يعني في بطلان حياته وحركته والانتفاع به مع كونه باقياً كما قال تعالى: ?وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ?{مريم:98}، وقوله عليه السلام : وأنه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه، أي وحده حياً لا شيء معه حي،وقوله: كما كان قبل ابتدائها كذلك، وجه التشبيه راجع إلى أنه حي وحده غير متبدل ولا متحول في المشبه، وإن كان في المشبه(1/1416)
به يعم العدم وغيره، وظاهر التشبيه العموم فالظاهر لا يفيد علماً لاحتماله التأويل ولوجود القرينة اللفظية الصارفة عن عدم إرادة العموم في المشبه وهي قوله تعالى: ?إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ? الآيات، فدلت على أن ليس المراد تشبيه حالة الفناء بحالة الابتداء من كل وجه وإلا لزم أن تكون إعادة الخلق على جهة التوالد والتناسل وهو معلوم البطلان، فلم يبق إلا أن التشبيه راجع إلى أنه تعالى حي وحده غير متبدل ولا متحول، وقوله عليه السلام : عدمت هنالك الآجال والأوقات وزالت السنون والساعات، مسلم أن آجال الدنيا وأوقاتها وساعاتها وسِنِيْها قد عدمت وخلفها حين آخر وهو حين تطلع الشمس من مغربها وعند أن ينفخ في الصور ويصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله نسأل الله السلامة.
وقوله عليه السلام : ولا شيء إلا الله الواحد القهار، لم يقل: ولا شيء موجود، فالمعنى ولا شيء حي لا يتغير ولا يتبدل إلا الله الواحد القهار.
فعرفت أنه لا دلالة قاطعة على وقوع العدم المحض، لكنا لا نذهب إلى القول بإحالته بل تجوزه فيمكن أن يكون قبل الانشقاق ونحوه ويمكن بعده والله أعلم، غير أنه ينظر ما وجه حسنه لو وقع.
فإن قيل: ليعلم الفرق بين الدارين وإن ما وصل إلى المكلفين من عقاب وثواب هو جزاء على ما أسلفوا، ويعلم بذلك ثبوت الصانع عز وجل وتوحيده وعدله عند من أنكر ذلك في الدنيا.(1/1417)
قيل عليه: هذا قد أغنى عنه غيره وهو حشر المكلفين ومشاهدتهم القيامة وأهوالها، ومشاهدة الجنة والنار، ومصير كل إلى ما صار إليه، ولأن الجاحدين لا معلومية لديهم أن قد تخلل الدارين عدم محض فإن أخبروا بذلك فليس الخبر كالعيان لما شاهدوا، اللهم إلا أن يقال: إن فيه أي في الإعدام المحض لطف لبعض من آمن في الدنيا وأنه لا يمتنع أن يكون بعض المكلفين لطفه في العلم بذلك استقام الكلام فيكون التمزيق والتبديد في بعض الأحوال، والإعدام المحض في بعض الأحوال، إذ لا تنافي على هذا الوجه والله أعلم.(1/1418)
الإعادة بعد الفناء
وأما الإعادة بعد الفناء: فلا خلاف أيضاً فيها بين الأمة، وهو قول أهل الكتاب وهي معلومة من الدين ضرورة على الجملة، والخلاف فيها لكل من نفى الصانع عز وجل وعباد الأصنام وغيرهم، واختلف فيها من جهتين:
الجهة الأولى: قال أبو هاشم: لا قطع إلا بإعادة من يستحق الثواب أو العقاب وهم المكلفون وما عداهم من سائر الحيوانات يجوز أن تعوض في الدنيا فلا تعاد، وقال الجمهور: بل يعاد كل من نفخ فيه الروح لقوله تعالى: ?وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ?{الأنعام:138}، وقوله تعالى:?وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ?{التكوير:5}، وفي السنة: أن العصفور يأتي يوم القيامة وله دوي تحت العرش يقول: يا رب سل فلاناً لم قتلني، وأن الله ينتصف للشاة الجما من ذات القرنين، ولأنه لابد من تأليمها عند الموت فتستحق العوض عليه فلزم إعادتها لأجل تعويضها، قال عباد بن سليمان: ثم تبطل بمصيرها تراباً، ولا دلالة عليه إلا ما يروى في تفسير قوله تعالى: ?يَالَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا ?{النبأ:40}، من أن الكافر يرى مصيرها تراباً فيقول: يا ليتني كنت تراباً، والله أعلم بالصحة.
الجهة الثانية: قال الجمهور: وتعاد أجزاء الحي كاملاً، وقيل: بل يعاد من الحي جملة، يصح أن يكون الحي حياً معها ذكره في الأساس ولم ينسبه إلى أحد، قال عليه السلام : قلنا: يلزم من ذلك أن يكون الحي المعاد بلا يدين ولا رجلين لأنه يصح أن يكون الحي حياً من دونها والله تعالى يقول: ?يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ?{النور:24}، قال:وقال أبو علي والبلخي: جميع الأجزاء.(1/1419)
وهذا لم يظهر لي فرق بينه وبين قول الجمهور إلا ما يظهر من مفهوم الجواب حيث قال: قلنا: لا دليل على إعادة الفضلات، قال الشارح عليه السلام : كاليد الزائدة والسمن على قدر الحاجة، فيظهر منه أن الخلاف بين قول أبي علي والبلخي في مثل اليد الزائدة والسمن.
والأظهر أنه لا ثمرة للخلاف إلا فيما لا تحله الحياة مما قد فصل عن الحي عند موته كالشعر والظفر والظلف، فأما اليد الزائدة فلا مانع من إعادتها لقوله تعالى: ? كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ? {الأنبياء:104}، ثم إن كانت شيناً في صاحبها وهو يستحق الثواب أزيلت عنه عند أن يدخل الجنة، وإلا فلا دليل على إزالتها، وحكى الشارح عن أبي القاسم البلخي أنه قال: تبعث الجملة المستحقة للثواب والعقاب حال فعل الطاعة أو المعصية، لأنها بمجموعها هي المستحقة للثواب أو العقاب، حتى قال: لو قطعت يده وهو مؤمن ثم كفر فلا بد أن يخلق الله تعالى من يده حيواناً يدخل الجنة، وكذلك العكس وهو قوي إلا قوله: لو قطعت يده وهو مؤمن الخ، فيفتقر إلى دليل والله أعلم، وقد ذكر شارح الأساس أحاديث من السنة أن أهل الجنة يبعثهم الله تعالى على أكمل سن وأحسن مقدار في أبناء الأربعين سنة على تلك الصورة يحشر الشيخ والصبي وجميع المؤمنين، وفي بعضها أبناء ثلاث وثلاثين سنة، وفي بعضها أبناء ثلاثين لا يزيدون جرداً مرداً مكحلين، وهذه الأحاديث محمولة على أنهم يكونون كذلك عند دخولهم الجنة أو في بعض مواقف الحشر لا عند الإعادة ونشرهم من القبور للآية: ? كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ? والله أعلم.(1/1420)