السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?{الروم:27}.
وأما فناء العالم: فقد اختلف المتكلمون فيما به يعلم هل عقلاً وسمعاً أم سمعاً فقط، وكذلك اختلفوا في كيفيته بعد إجماع الأمة على وقوعه على الجملة وهو معلوم من الدين ضرورة، قال تعالى: ?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ?{القصص:88}، وقال تعالى: ?كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ o وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ?{الرحمن:26،27}، وقال تعالى: ?هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ?{الحديد:3}، ولا يكون آخراً إلا إذا قد فني كل ما عداه سبحانه.
أما ما به يعلم: فظاهر عبارة الأساس في تعليله حسنه بالتفرقة بين الدارين ليحصل العلم البت للكفار وغيرهم أن ما وصلهم بعده من العقاب والثواب هو جزاء على الأعمال وأنهم قد نقلوا إلى دار لا سبيل لهم فيها إلى الشك في إثبات الصانع وتوحيده وعدله وصدق رسله ووعده ووعيده أنه يعلم عقلاً، ورواه الشارح عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وأبي علي وأصحابه، وقيل: إنما يعلم سمعاً فقط ولا دلالة في العقل على ذلك، ورواه الشارح عن أبي هاشم وقاضي القضاة.
وأما كيفيته: فالكلام فيها في طرفين: أحدهما: في إمكان إعدامه وإذهابه بالكلية. والثاني: في الوقوع هل على سبيل الإعدام وإذهابه بالكلية أم على سبيل التمزيق والتبديد والتفريق.
أما الطرف الأول: فحكى في الأساس عن الجاحظ والملاحمية وبعض المجبرة وهو ظاهر كلام القرشي، وحكاية شيخنا رحمه الله تعالى عمن يقول من أئمتنا عليهم السلام وبعض شيعتهم أن الفناء تمزيق وتبديد، وحكاه أيضاً عن شيخه سيدي وجيه الإسلام رحمه الله تعالى أن إعدامه محال.(1/1411)
ثم اختلف هؤلاء فقال القرشي وكثير من المعتزلة: إلا بطرو ضد يقال له الفناء فعند أن يوجده الله يعدم العالم، وكأنه عندهم يستحيل عليه تعالى أن يعدم العالم من دون واسطة هذا الضد، وقال الجاحظ وبعض المجبرة وهم الكرامية: بل هو محال في ذاته ولا يمكن إعدام العالم لا بضد ولا بغيره، وهذا في نهاية الضلالة والبطلان، ولا أظن من يدين بأن الله أوجد العالم من العدم المحض يقول بذلك، وإن كان قد رواه الإمام في الأساس عن الجاحظ وبعض المجبرة، وحكاه الشارح عن الإمام يحيى عليه السلام عنهم، فالله أعلم بصحة الرواية عنهم وكيفية تعليل الإحالة إن ثبت عنهم القول بالإحالة، وقال بعضهم: ليست الإحالة لأن الإعدام غير ممكن له تعالى بل لئلا يلزم تعذيب أو إثابة ذات لم تعص ولم تطع، فأما القادرية والإمكان فهو تعالى قادر على إعدام العالم وهو ممكن في ذاته، وهؤلاء إن قالوا: إن إعادة ما عدم عدماً محضاً محال بمعنى - أنه غير ممكن في ذاته - فقولهم أيضاً في نهاية الضلالة والبطلان، ولا أظن من يدين بأن الله تعالى أوجد العالم من العدم المحض وحكم أنه قادر على إرجاعه إلى العدم يقول: إنه لا يقدر بعد ذلك على إعادته بذاته، وإن قالوا: إن ذلك محال لما فيه من مخالفة العدل والحكمة كما يستحيل صدور الظلم والكذب عنه تعالى وإن كان قادراً عليهما لما يلزم عليه من تعذيب أو إثابة ذات لم تعص ولم تطع، فلا يسلم اللزوم.
وأجاب عليهم شارح الأساس بقوله: والجواب والله الموفق: أن الله سبحانه قادر على إيجاد ذلك الجسم الذي أعدمه بعينه وإرجاع ذلك الروح إليه بعينه وتنعيمه أو تعذيبه، فلا بعد في ذلك بعد إقامة الدليل عليه لأن الله على كل شيء قدير وهو من الممكن غير المستحيل انتهى كلامه والمسك ختامه، وتعقبه شيخنا رحمه الله تعالى بأنه يلزم عليه ثبوت الذوات في العدم.(1/1412)
قلت: لقائل أن يقول: بثبوت الذوات في العدم بعد أن كانت الذوات موجودة ثم عدمت كما في مسألتنا لا فيما يذهب إليه بعض المعتزلة وبعض الزيدية من ثبوت الذوات في القدم، فيقولون إن العالم وجميع ما فيه من الذوات ثابتة في الأزل، فبين الطرفين فرقٌ، ولا يلزم الاطراد، فليتأمل، فجواب سيد المحققين عليه السلام صحيح لا غبار عليه.
وأما الطرف الثاني: فروى شيخنا رحمه الله تعالى عن القاسم والهادي والمرتضى قال: وحكاه السيد حميدان لأهل البيت عليهم السلام والعنسي لهم وشارح الأبيات الفخرية أنه تبدد وتفريق وتمزيق لاستحالة تعلق القدرة بالإعدام، قال: وحكاه الإمام عن الجاحظ والملاحمية، قال: وقال بعض أئمتنا عليهم السلام وجمهور المعتزلة والشيعة: بل يعدم كذهاب المصباح في لحظة، ثم اختلفوا فقال أكثرهم بواسطة طرو ضد وهو الفناء ليجوزه العقل، وقال السيد محمد القاسمي وهو شارح الأبيات الفخرية حق الإمام الواثق بالله المطهر بن محمد بن المطهر عليهم السلام التي مستهلها:
ملفقاتٍ حرياتٍ بإبطالِ
فالآلُ حقٌ وغير الآلِ كالآلِ
لا يستزلك أقوامٌ بأقوالٍ
لا ترتضي غير آل المصطفى وَزَرَاً
والإمام يعني القاسم بن محمد عليهما السلام والقرميسيين من المعتزلة بلا واسطة وتعلق القدرة بالإعدام.
قلت: وحكاه شارح الأساس عن جمهور أئمة أهل البيت عليهم السلام وأبي الحسين الخياط والخوارزمي ومحمود الملاحمي،وإن لم يقل بعدم الأجسام، قال ذكره شارح الأبيات الفخرية ولم يحكه الإمام يحيى عليه السلام إلا عن الجاحظ والكرامية فقط، فقد تعارضت هذه الروايات عنهم ولعله يفارق أصحابه إن صح موافقتهم للجاحظ جمعاً بين الروايات، وأن في الكلام سقط والأصل وإن لم يقل أصحابه بعدم الأجسام والله أعلم.(1/1413)
فهذان القولان هما أصل الخلاف ومرجعه في كيفية فناء العالم هل عدم محض أم تمزيق وتبديد وتفريق، وقد ذكر القرشي وشارح الأساس خلافات كثيرة بين القائلين بالعدم المحض ترجع إلى التعليل، وذكر في الإرشاد الهادي عن شارح الأبيات الفخرية أن الخلاف في كيفية فناء العالم على ثمانية وعشرين مذهباً.
ولما كانت الأقوال كلها ترجع إلى القولين المذكورين لم يكن بنا حاجة إلى ذكرها، وما يتمسك به كل قائل يقول وما يرد عليه بل نحكي ما احتج به أهل القول بالعدم المحض وأهل القول بالتمزيق والتبديد والتفريق وبالله التوفيق.
حجة القائلين بأنه عدم محض:
قوله تعالى:?هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ?{الحديد:3}، ولا يكون آخراً إلا إذا عدم كل ما عداه، وقوله تعالى: ?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ?، وفسروا الهلاك بالإعدام، وقوله تعالى:?كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍoوَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ?،?وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ?{الروم:27}،?كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ?{الأنبياء:104}، ولا إعادة إلا عن إعدام، ولأنه شبه الإعادة بالابتداء فكما أن الابتداء عن عدم محض كذلك الإعادة، ولقول أمير المؤمنين عليه السلام في النهج: فهو المفني لها بعد وجودها حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، وأنه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شيء معه كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات إلى قوله: ولا شيء إلا الله الواحد القهار إلى غير ذلك من كلامه عليه السلام.
ومن العقل: ما يُشَاهد من ذهاب السحاب والمصباح ونحوهما مما يعدم عدماً محضاً.
وحجة القائلين إنما هو تمزيق وتبديد وتفريق:(1/1414)
قوله تعالى: ?إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ ?{الانشقاق:1}، ?إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ?{الزلزلة:1}، ?فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ?{الرحمن:37}، ?يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ o وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ?{المعارج:8،9}، ?إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ o وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ? الآيات إلى قوله: ?عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ?{التكوير:1،2،14}، ?إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ? الآيات{الانفطار:1}، ?وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًاoفَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًاoلا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا?{طه:105،106،107}، ?إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجًّا o وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا o فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ?{الواقعة:4،5،6}، ?إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ?{الفجر:21}، ?يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ o تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ?{النازعات:6،7} إلى غير ذلك من الآيات الدالات على وقوع التمزيق والتبديد والتفريق، وليس في شيء منها ما يدل على العدم المحض.
ومن العقل: ما يشاهد من مصير الميت تراباً والزرع هشيماً والأشجار والثمار تصير رماداً وتراباً، وكثيراً ما مثل الله تعالى الدنيا بالزرع الذي أذهبته الرياح، وفي الحديث: " أيتها العظام البالية والأجسام النخرة " الخبر، ولأنه لو عدمت عدما محضاً لكان الجزاء على ذات لم تطع ولم تعص.(1/1415)