الفرق بين فعل الله تعالى وفعل العبد
وقوله [ يعجز عن فعلها كل الأنام، ] يعود إلى الثلاثة المذكورة: الجوهر والأعراض والأجسام، وهو بالنسبة إلى الأعراض للاحتراز عما لا يعجز عنه الأنام كالأعراض المشتركة بين قدرة الله وقدرة العبد، وبالنسبة إلى الجواهر والأجسام صفة كاشفة ليس المراد به الاحتراز، لأنه لا قدرة لأحد من الأنام على إيجاد جوهر ولا جسم، [ ومضمونه ] أن [ كلما وقف على قصد العبد واختياره تحقيقاً ] كفعل اليقضان، [ أو تقديراً ] كفعل الساهي والنائم [ فهو فعله، وما لم يكن كذلك فليس بفعله. ] بل هو فعل الله سبحانه وتعالى مبتدأ كأن خلق السماوات والأرض وبعض الأجسام والأعراض أو متولداً عن المبتدأ كإنبات الزرائع وتوالد الحيوانات وسير السفن في البحر وتحريك الأشجار بواسطة إنزال الماء والتقاء البذر في الطين وتسافد الحيوانات وإرسال الريح ونحو ذلك من المتوالدات والمسببات، لكن إلقاء البذر في الطين ليس سبباً للإنبات في التحقيق لأن فاعل السبب فاعل المسبب على ما مر تحقيقه في باب العدل، بل هو شرط في حصول الإنبات وهو فعل العبد وكذلك التسافد والسبب الحقيقي هو إيجاد ذات البذر وذات المني والإلقاء، والتسافد شرط لا غير إذ حقيقة الشرط ما يتوقف تأثير غيره عليه، والسبب ذات موجبة بذات أخرى وكذلك سائر ما يخلقه الله تعالى عند أن يفعل العبد ما هو شرط في حصوله مما لا يدخل تحت قدرته كالإماتة بالسم والمرض بالمُضِر والشفاء بالدواء والإحراق بالنار ونحو أصوات البنادق والمدافع وتأثير البارود ونحوه من تفليق الحجارة والرمي بالرصاص عند أن يفعل العبد ما يتوقف حصول ذلك عليه، فإن فعل العبد ليس سبباً في ذلك وإنما هو شرط والله هو الفاعل لذلك الأثر المتوقف على فعل العبد الذي هو إلقاء السم ونحوه إلى من وقعت عليه الإماتة أو الضرر أو الشفاء وإلقاء الذات التي أحرقت إلى النار، ونحو ذلك مما هو شرط لما يخلقه الله تعالى بمجرى(1/1406)


العادة إما مطردة كالإماتة بالسم والإحراق بالنار أو لا كالمرض بالمضر والشفاء بالدواء كل ذلك على حسب حكمته عز وجل ومصالح خلقه وتدبير معايشهم ومرافقهم وهو الحكيم العليم.
فإن قيل: إذا كانت الإماتة بالسم والإحراق بالنار ونحو ذلك فعل الله تعالى، فلما أوجبتم الضمان والقصاص على الملقي ونحوه وليس هو الفاعل إلا للشرط فقط والشرط ليس سبباً للمشروط حتى يقال فاعل السبب فاعل المسبب، وقد قلتم: كلما وقف على قصد العبد واختياره تحقيقاً أو تقديراً فهو فعله، وهذه الأفعال قد وقعت على قصد العبد واختياره تحقيقاً بحيث لو لم يفعل ما عنده حدثت لما كان لها وجود ؟
قلنا: أما الضمان والقصاص فذلك حكم شرعي جعله الله سبحانه وتعالى مصلحة لخلقه وسداً للذريعة وزجراً لهم عن أن يفعلوا ما عنده يوجد الله تعالى تلك التأثيرات لا محالة.
لا يقال: فهلا ترك سبحانه فعل تلك التأثيرات عند أن يفعل العبد ما تتوقف عليه.
لأنا نقول: إن في إيجاد تلك التأثيرات حكمة ومصلحة ومنافع للخلق لنحت الجبال وتداوي الأمراض وإهلاك الأعداء إلى غير ذلك، ولما كان الإضرار بالغير وإهلاكه منه ما هو قبيح كالعدوان ومنه ما هو حسن كالقصاص والمدافعة عن النفس ونحوه جعل الضمان والقصاص فيما هو قبيح على المتعدي بما هو كالسبب زجراً عن ارتكاب الظلم وحقناً للدماء ومصلحة من مصالح الخلق.
ولا يقال: فهلا ترك سبحانه ما علم أن الفاعل لما هو كالمسبب له متعد فيه لأنه كيف يخلقه ويجعل عليه ضمانة ؟.
لأنا نقول: لو كان كذلك لبلغ الحال إلى حد الإلجاء وإلى القطع بأن هذا محسن محق وهذا مجرم مبطل ويؤدي إلى عدم التمكن من فعل ما نهى عنه أو أمر به أو عما هو كالسبب فيه، وكل ذلك لا يصح لأنه ينافي التكليف فاقتضت الحكمة طرد القاعدة في بعض وعدم طردها في بعض كما مثل من دون تعليق ذلك بمبطل أو محق، وجعل النهي عن العدوان والضمان على المتعدي زاجراً وذائداً لعباده عن ظلم بعضهم بعضاً.(1/1407)


وأما قول السائل: وهذه الأفعال قد وقفت على قصد العبد واختياره، فلا يسلم بل الذي وقف على قصده واختياره هو ما فعله من إلقاء السم، والإلقاء إلى النار ومناولة المريض الدواء أو المضر دون التأثيرات المتوقفة على ذلك من الإماتة والإحراق والشفاء والضرر فليست واقفة على قصده واختياره وإن وجدت عقيب فعله وإن كان مريداً لها، لأن الإنسان قد يريد فعل غيره فتأمل، فالأمر واضح لمن تأمل.(1/1408)


فصل في الكلام في الموت والفناء وبعض أحوال الآخرة
اعلم أرشدك الله وإيانا أن الدنيا لما لم تكن دار بقاء ودوام ونعيم وراحة ومُقَام، وأن ذلك ليس إلا في الآخرة كما قال تعالى: ?وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ?{العنكبوت:64}، وكانت حَرِيَّة بالزوال وشِيْكَةً بالانتقال، حيث أنها دار بلوى وافتتان وتعبد وامتحان، وكانت عند الله سبحانه وتعالى كما ورد في الأثر عن سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تساوي جناح بعوضة "، اقتضت الحكمة الإلهية وكلمة الفصل الربانية أن لا بد من ثلاثة أمور يتوصل بها إلى الدار الآخرة الباقية الدائمة، ويفصل بها بين الدارين ?لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى?{النجم:31}، الملائمة وهي الموت لكل حيوان فلا يبقى إلا الحي الدائم الذي لا يموت، والفناء للعالم بأجمعه والإعادة بعد ذلك لكل من كان حياً على الصحيح أو لمن يستحق العوض على قول، ويمكن أن لا فرق بينه وبين الذي قبله في المعنى، إذ ما من حيوان إلا ويؤلم بالموت فيستحق العوض أو لمن يستحق الثواب أو العقاب على قول، ولما كانت هذه الثلاثة هي المبادىء وأول أحوال الآخرة قدمها في الذكر.(1/1409)


الموت والفناء
فقال عليه السلام [ ثم قل أيها الطالب للنجاة: وأدين الله بأنه لابد من الموت والفناء والإعادة للحساب والجزاء، ] أما الموت فقد مر الكلام عليه هل هو عرض وجودي أم أمر عدمي، وهو من أعظم الآيات الدالات على ثبوت الصانع عز وجل وتفرده بالقدم والدوام وهو من الأمور المعلومة بالاضطرار التي لا يختلف فيها عاقلان من ملحد أو موحد ومثبت للفناء والإعادة أو جاحد.
ولما كانت النشأة الأولى التي هي الحياة الدنيا وكانت تشتمل على خلق المكلفين ورزقهم في الحياة الدنيا وإماتتهم وكان ذلك مما لا ينكره مشركوا قريش وغيرهم ممن أقر بالصانع تعالى، وإنما ينكرون النشأة الأخرى التي هي الإعادة والحياة الأخروية الدائمة، احتج سبحانه وتعالى عليهم في إثباتها بالقياس العقلي الذي لا سبيل لهم إلى إنكاره ودفعه بأن أقاس لهم إمكان وثبوت ما أنكروه على إمكان وثبوت ما علموه فقال سبحانه وتعالى:?اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ?{الروم:40}، فذكر الثلاثة الأحوال الأُول التي لا يناكرون شيئاً منها وهي خلقهم ورزقهم وإماتتهم، وعطف عليها بالحالة الرابعة التي ينكرونها ليعلموا إمكانها وثبوتها وصحة الإخبار بها، لأنهم إذا قد علموا الثلاثة الأحوال لم يكن وجه لإنكار الرابعة إلا العناد والجدال لأن الكل داخل في دائرة الإمكان والاقتدار، وليس الإحياء للإعادة والجزاء بعد الخلق من العدم المحض والرزق والإماتة بأبعد منها بل الكل على الله يسير، والعقل يقضي بأن إعادة ما قد أوجده الفاعل ثم أعدمه أو أخربه أيسر وأهون من إيجاده من العدم المحض، ولهذا خاطب الله الخلق على حسب ما يعقلونه وإن كانت الأشياء كلها عليه يسيرة هوينة ليس فيها ما هو أيسر وأهون ولا ما هو أصعب وأعظم، لقوله تعالى: ?وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي(1/1410)

282 / 311
ع
En
A+
A-