مسألة: في التوبة تُصَيِّر المعصية كالمعدومة
مسألة: وكما أن التوبة تصير المعصية كالمعدومة، فكذلك الندم على الطاعة لكونها طاعة يصيرها كالمعدومة ذكره النجري وهو صحيح، وقوله: لكونها طاعة، يحترز مما إذا ندم على الطاعة لا لذلك بل لما لحقه من ضرر ظالم أو فوت غرض دنيوي أو مذمة من الجاهلين، فإنه وإن كان لا يجوز له الندم على الطاعة بحال من الأحوال لكن لا قطع على أن ذلك الندم يصيرها كالمعدومة وإن كان ذلك في الأخيرين هو الأظهر، أما إذا ندم عليها لكونه فاته بالاشتغال بها طاعة أعظم منها كفوات الجهاد مع صوم النفل وتسبب منها ضرر على النفس كالصوم في السفر أو فعل محرم كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي تسبب منهما ما هو أنكر، ففي الأول والثالث الأظهر أن ذلك لا يبطل ولا ينقص من أجرها شيئاً، وفي الثاني يحتمل ويحتمل فيحتمل إبطال ثوابها رأساً ويحتمل تنقيصه فقط، ويحتمل عدمهما وبقاء الثواب بكليته والله أعلم وفضل الله واسع.
قال شارح الأساس عليه السلام معترض على النجري رحمه الله تعالى ما لفظه: وقوله لكونها طاعة محل نظر، لأنه إذا كان كذلك فلا يبعد أن يقتضي الكفر والله أعلم، وقد صرح بذلك الإمام يحيى عليه السلام .
قلت: لا نظر فيما ذكره النجري رحمه الله، لأنه لم يتعرض لإكفار ولا لعدمه، وإنما تكلم أن الندم على الطاعة لكونها طاعة يبطلها وإن كان كلام السيد رحمه الله تعالى مستقيماً على الأصول.(1/1401)
فصل في الكلام في الفرق بين فعل الله وفعل العبد
وكان موضع هذا الفصل فيما مر إما عند الكلام على حدوث العالم أو عند الكلام على أفعال العباد، ولكن القصد الإفادة.
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ ما الفرق بين فعل الله تعالى وفعل العبد ؟ ] وهو يتناول الملائكة والثقلين جميعاً ولا يطلق على الحيوانات الآخرة، وإن كان البحث يتعلق بأفعال الجميع، لأنه مأخوذ من العبودية وهو: استحقاق العبادة للخالق من المخلوق، وهي لا تستحق إلا على العاقل المكلف، وهم الثلاثة الأصناف المذكورة، فإن فرض أن غيرهم من سائر الحيوانات مكلف تناوله اسم العبد والله أعلم.(1/1402)
أفعال الله تعالى
[ فقل: فعل الله تعالى هو: جواهر، ] وقد مر حقيقة الجوهر الفرد وأنه: الجزء الذي لا يتجزأ ولا ينقسم، لكن المراد به هاهنا ما يعمه وما يعم الجسم والصفيحة والخط، إذ الجميع مؤلف من الجوهر الفرد [ وأعراض، ] ضرورية كالألوان والطعوم والروائح والأمراض والقدرة والحياة والعلم الذي لا يتولد عن النظر، فأما ما تولد عنه فقيل من فعل الله يخلقه عند النظر الصحيح، وقيل من فعل العبد يتولد عند النظر الصحيح والشهوة والنفرة، والليونة والصلابة، والخشونة والملاسة وهي ما يقابل الخشونة كالزجاج، والشدة والرخوة، والفرق بينهما وبين الصلابة والليونة أن الشيء قد يكون رخواً ولا ليونة فيه كالتراب الجاف، وقد يجتمعان كالتراب الذي فيه بلل، وقد يكون شديداً مع ليونة كالذهب والفضة إذا أُحميا ولم يمكن تفريقهما إلا بمقراض، وقد يكون مع صلابة كما إذا لم يحميا، والحرارة والبرودة، والرطوبة واليبوسة الراجعتين إلى الطبائع الأربع القائمة بالحيوان، فأما إذا لم يرد بهما ذلك فلعل أنه لا فرق بينهما وبين الليونة والصلابة كما قال تعالى: ?وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?{الأنعام:59}، لأنه يصح أن يقال في تفسيرهما وشرح معناهما ولا رطب - أي لين ـ، ولا يابس - أي صلب ـ، والله أعلم.(1/1403)
فهذه تسعة عشر جنساً فلا معنى لما يقوله بعض المتكلمين من حصر أجناس العرض في اثنين وعشرين جنساً مع عده العشرة الأجناس المشتركة بين قدرة الله تعالى وقدرة العبد في الاثنين والعشرين، وتلك العشرة هي الأكوان الأربعة ويعدونها واحداً يعبر عنه بالكون وهي: الحركة والسكون والاجتماع والافتراق، والأظهر أن كلا منها جنساً برأسه، والاعتمادات والتأليفات والأصوات والآلام والاعتقادات والإرادات والكراهات والظنون والأفكار هكذا حكاه القرشي وغيره، والأظهر أن الظنون داخلة في الاعتقادات وينظر في جعل الاعتقادات والظنون والأفكار من مقدورات الله تعالى إذ ذلك من شأن العباد، إلا أنه يمكن أن يقال: إنه تعالى قادر على إيجادها في العبد استقام لعموم قوله تعالى: ?على كل شيء قدير ? ولأنه مقدور لغيره تعالى، فلا يصح أن لا يكون مقدوراً له سبحانه وتعالى، وهو منزه عن أن يعتقد أو يظن أو يتفكر.
وبقي الكلام في العقل والحواس الخمس فإنها من جملة الأعراض، لكن القرشي وغيره يجعلون العقل هو العلم بالعشر الضروريات فأدرجوه في الاعتقادات، والقاسم بن محمد وغيره جعلوه عرضاً غير العلم بالعشر الضروريات كما مر الكلام على ذلك فيكون جنساً برأسه، فأما الحواس الخمس فلا أدري ما عذر إغفالها عن عدها في الأعراض مع كونها منها قطعاً لأن السمع معنىً محله الصماخ، والبصر معنى محله الحدق، والشم معنى محله المنخرين، والذوق معنى محله اللسان، واللمس معنى محله كل البدن وهو ما يدرك به الحرارة والبرودة والألم.
فتصير جملة الأعراض على ما ذكرناه ثمانية وثلاثين عرضاً، خمسة وعشرون خاصة بقدرة الله تعالى، وثلاثة عشر مشتركاً بين قدرة الله تعالى وقدرة العبد بعد الأكوان الأربعة والحواس الخمسة كلاً منها جنساً برأسه، فتأمل.(1/1404)
وقد عد القرشي وغيره الفناء من الأعراض وفيه نظر وسيأتي الكلام عليه في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى، وهي تنقسم في نفسها إلى ما يتنوع في ذاته إلى: منحصرة كالألوان والطعوم، وإلى غير منحصرة كالروائح والآلام، وإلى ما يتنوع باعتبار متعلقه لا في ذاته كالإرادات والكراهات والشهوة والنفرة، وإلى ما لا يتنوع كالحياة، وقد زاد المنصور بالله عليه السلام وغيره: الموت في جملة الأعراض، ولم يعده المهدي عليه السلام وغيره منها بل هو أمر عَدَمِي عنده، وقد مر الكلام على ذلك، [ وأجسام، ] جمع جسم وهو الطويل العريض العميق، وهذا حد له بالذات، ويقال ما يشغل الحيز عند حدوثه أو ما يصح عليه التجزيء والانقسام، وهذا حد له باللازم.(1/1405)