قلت: كلامه مستقيم فيما كان يتجدد ثوابه من الطاعات كالصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به ونحو ذلك، وينظر ما أراد بهذا الاعتراض عليهم لأنه هو والإمام القاسم قد ذهبا عليهما السلام في الأساس وشرحه إلى موافقة من قال أنه لا يعود بالتوبة ما أحبطته المعصية من الثواب مطلقاً لا الحاصل ولا المتجدد، وحينئذ فكان حق منازعته لهم إنكار عود ما أحبطته المعصية من الثواب الحاصل قبلها لا إنكار التجديد من حيث هو، لأن الأدلة من جهة السنة ثابتة فيما ذكراه من الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به ونحوهما، فلا يستقيم إنكارها رأساً، وإنما يستقيم على قود مذهبه إنكار أن يعود ما أحبطته المعصية حاصلاً كان عند فعلها أو متجدداً بعد فعلها لو لم تفعل، هذا مع أن ظاهر كلامهم أنه يتجدد الاستحقاق في المستقبل مطلقاً سواء كان كالصدقة الجارية والعلم المنتفع به ونحوهما أم لا كالصلاة ونحوها، مما يقتضي ولا تبقى ثمرته مستمرة كما يظهر من قولهم: وإلا لزم التساوي بين من قطع عمره في عبادة الله سبحانه وطاعته الخ، فيستقيم اعتراضه عليه السلام عليهم فيما ليس له ثمرة مستدامة والله أعلم.(1/1396)


مسألة: في القول بالموازنة
مسألة: قد علم من القول بالموازنة صحة القول باستواء العقاب والثواب وصحة زيادة أحدهما على الآخر، لكن خالف أبو علي مقتضى القول بالموازنة وقال: يمتنع استواؤهما عقلاً وسمعاً، وقال أبو هاشم: بل سمعاً فقط، وهو الإجماع على أن المكلف لا بد له من الجنة أو النار، فأما من جهة العقل فلا مانع من الاستواء، واحتج أبو علي بوجهين:
أحدهما: أنه لو استوى الثواب والعقاب لكان كل واحد منهما ساقطاً في نفسه مسقطاً للآخر فيكون له تأثير في الإساقط مع كونه ساقطاً في نفسه وهو محال.
ثانيهما: أن سقوط الثواب عقاب وسقوط العقاب ثواب، فالقول بتساويهما يؤدي إلى اجتماع استحقاقهما وهو محال.
وهذان الوجهان غير قادحين لأنهما شبهتان خارجتان عن المسألة ودليلها، لأنه قد قال بأصل المسألة وهو القول بالموازنة وإن قال إن الأقل يبطل في جهة الأكثر، فلا يعرف أن هذا أقل وهذا أكثر إلا بالموازنة ضرورة، ومن لازمها جواز التساوي والزيادة في أحد الجانبين والنقص في الآخر، فقد قال بأصل المسألة فلزمه القول بلازمها وهو جواز التساوي عقلاً، فأما ما قاله من لزوم المحال في الوجه الأول وهو أن الشيء ساقط في نفسه مسقط لغيره فلا نسلم دليله أن الذنبين إذا تساويا تساقطا وصار كل منهما ساقط في نفسه مسقط لغيره فلا إحالة، وكذلك ما قاله في الوجه الآخر من لزوم المحال أن القول بتساويهما يؤدي إلى استحقاق الثواب والعقاب وهو محال، لا يسلم تأديته إلى استحقاقهما لأن كلاً منهما لا يصير مستحقاً إلاّ إذا زاد على الآخر فإن ساواه أو نقص عنه فلا استحقاق فيه بل ينفرد بالاستحقاق الزائد فقط، وإن سلم اجتماع الاستحقاق على التنزل فلا محال إلا في إيصال الثواب والعقاب الواقعين على سبيل النفع والضر المقرونين بالإجلال والإهانة لا الواقعين على سبيل التساقط.(1/1397)


فقد ظهر لك ضعف قول أبي علي بالمرة بل بطلانه بالكرة من امتناع الاستواء عقلاً مع قوله بالموازنة، فأما بطلانه سمعاً فاتفاق بينه وبين أبي هاشم وهو ما ذكره من دعوى الإجماع على أن المكلف لابد له من استحقاق الجنة أو النار، وهذا أيضاً احتجاج ضعيف بل باطل من وجهين:
أحدهما: أنهم إنما أجمعوا على أنه مصيره إلى الجنة أو النار لقوله تعالى: ?فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ?{الشورى:7}، وذلك لا ينافي جواز الاستواء في حق بعض من دخل الجنة ويكون تفضلاً أو بالشفاعة، فمن أين أنهم أجمعوا على استحقاق أحدهما لا محالة ؟.
ثانيهما: أن الإجماع منازع فيه بل الخلاف أشهر من أن يذكر فقد ذكر الإمام المهدي عليه السلام أن خلاف زين العابدين عليه السلام وغيره ظاهر.
قال شيخنا رحمه الله تعالى في السمط ما لفظه: قلت: وأمير المؤمنين والهادي والباقر والمؤيد بالله والمتوكل على الله والحقيني والمنصور بالله وأبي علي، ومن الشيعة كثير كالقاضي جعفر والفقيه حميد فقالوا: يجوز استواؤهما عقلاً وسمعاً، ويدخل الجنة شفاعة أو تفضلاً، قال: وقد أنكر بعضهم هذه الروايات لما كان يتكثر بالرجال، ثم نقل رحمه الله الروايات عمن ذكره بما لا حاجة لنا في ذكره طلباً للاختصار فليؤخذ من هنالك.(1/1398)


قلت: وقوله: وأبي علي، سهو منه رحمه الله تعالى لأن المخالف هو أبو علي بنفسه كما هو صريح القلائد وشرحها ومنهاج القرشي، ولعله أخذه من موافقة أبي علي في إحباط المعاصي للطاعات والاتفاق بينه وبين الأئمة الذين ذكره معهم في القول بذلك، لكنه وإن وافقهم في مطلق القول بالإحباط فهو لا يوافقهم إلا مهما كانت المعاصي أكثر وهم يقولون بالإحباط مهما كانت المعصية كبيرة قَلَّت الأجزاء أم كثرت، وكذلك ما حكاه عن الإمام القاسم بن محمد صاحب الأساس والشرفي الشارح أنه يبطل الأقل بالأكثر فمن له أحد عشر جزأً من الثواب وفعل ما يوجب عشرة أجزاء من العقاب بطلت العشرة وبقيت الأحد العشر كلها والعكس، فإن هذا الإطلاق سهو وغلط على الإمامين المذكورين عليهما السلام، لأنهما إنما يوافقان أبا علي في أن الكبيرة محبطة كل الثواب لا في اعتبار الأجزاء ولا فيما يتفرع عليها من أن الأقل يبطل بالأكثر إذ لا يقولان بالموازنة أصلاً وهما قدوة من نازع فيها من المتأخرين، ثم حكى عن القائلين بالاستواء من أئمتنا عليهم السلام وغيرهم كالأمير المؤلف عليه السلام والسيد مانكديم والإمام أبي طالب وأبي العباس والهادي بن يحيى والمهدي أحمد بن يحيى والإمام يحيى عليهم السلام وغيرهم وجمهور الشيعة، وإدعاء القاضي جعفر عليه الإجماع موافقة أبي هاشم في تساقط العشرتين ويبقى له جزء واحد يدخل به الجنة أو النار، قال: وربما أنكر هذا القول عن الأئمة وكتبهم بمرأى ومسمع وسمع في الشفاء والشافي والحقائق وشرح الأصول والعمدة والشامل والقلائد الخ ما ذكره رحمه الله تعالى، ولعله يشير بذلك إلى ما ذكره شارح الأساس فإنه قال عليه السلام رداً على ما ذكره الإمام المهدي عن زين العابدين وغيره كالقاسم بن إبراهيم من جواز استواء الثواب والعقاب ما لفظه: قلت: وفي الحكاية عن زين العابدين والقاسم عليهما السلام نظر، لأن المشهور من مذهب أهل البيت عليهم السلام أن الثواب لا يجامع(1/1399)


العقاب، وقد صرح بذلك القاسم عليه السلام انتهى، وهذا في الحقيقة غير قادح، لأن المراد من عدم مجامعة الثواب والعقاب في وقوعهما لا في مجرد اعتبار ما فعل من أسبابهما كما مر آنفاً والله أعلم.(1/1400)

280 / 311
ع
En
A+
A-