وهذا لا ينافي ?إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ?، وأنه لا يصح الاعتذار من إساءة دون إساءة، لأن من تاب من القبيح الأعظم واعتذر عن الإساءة العظمى فقد صار متقياً لعقابه ومعتذراً عن الإساءة العظمى، بدليل أن إذا كان للملك على أحد من الرعية حجة عظيمة فجاءه وتخلص عنها بتسليم ما يلزم فيها من مال أو بذل لقصاص في أحد الأطراف حسن بل وجب قبول ذلك وإن بقي عند ذلك الشخص حقوق جزئية يسيرة فيطالب بها على حالها إن لم يسمح عنها والله أعلم.
وقد لزم من هذا أن الكبائر لا تصح التوبة من بعضها دون بعض إن فسرنا صحة التوبة بوصول الثواب بمنافاة عقاب الأخرى له، وأما إذا فسرناه بسقوط عقاب المعصية التي تاب عنها فلا منافاة فتصح التوبة عنها وهو الأليق بعدل الله ورحمته، وأنه لا يتوقف صحة التوبة عنها على التوبة عن الصغيرة لأنها معفوة في اجتناب الكبائر، لكن يجب اجتنابها والمبادرة بالتوبة عنها خشية أن تكون كبيرة.(1/1391)
مسألة: في الإحباط
مسألة: إذا فعل المكلف طاعات ثم فعل كبيرة أحبطت ثوابها إجماعاً، لكن اختلف في كيفية ذلك، فذهب أهل الموازنة وهم: أبو علي وأبو هاشم ومن وافقهم من الزيدية والمعتزلة إلى: اعتبار أجزاء الثواب والعقاب عند أبي هاشم والمهدي عليه السلام أو أجزاء الطاعة والمعصية عند أبي علي أو بين الفعل وما يستحق على مكفره أو محبطه من الثواب أو العقاب عند الأخشيدية، فإذا كانت أجزاء الطاعات أو ثوابها عشرة وأجزاء المعصية أو عقابها أحد عشر حكم بكبر المعصية اتفاقاً بينهم وأحبطت عشرة أجزاء الطاعة أو ثوابها، وإذا كان العكس حكم بصغر المعصية وتكفير الطاعات لها أو لعقابها على حسب الخلاف المذكور بينهم، ثم اختلفوا فقال أبو علي ومن وافقه: يسقط الأقل ويصير كأن لم يُفعل رأساً ويبقى الأكثر برمته فتبقى الأحد العشر الجزء يدخل بها الجنة أو النار بجميعها لا يسقط منها شيء، وقال أبو هاشم ومن وافقه: بل تتساقط العشرتان ويبقى له جزء واحد يدخل به الجنة أو النار.
وثمرة الخلاف ظاهرة بالنسبة إلى زيادة الثواب أو العقاب،وذهب القاسم بن محمد وشارح الأساس وهو الظاهر من إطلاقات جمهور الأئمة عليهم السلام وأتباعهم من الزيدية إلى عدم اعتبار الأجزاء، فمهما فعلت المعصية الكبيرة أحبطت كل الثواب أو كل الطاعات السابقة واللاحقة إلى أن يتوب من معصيته ولو كانت أجزاء الطاعات أو ثوابها تزيد على أجزاء المعاصي أو عقابها أضعافاً مضاعفة.(1/1392)
فظهر لك من هذا أن الكبيرة محبطة موجبة للنار بالإجماع على الجملة، وأن القول بالموازنة لا ينافي القول بالإحباط، لأن أدلة الإحباط من السمع لا يمكن أحد إنكارها لو لم يكن إلا قوله تعالى خطاباً للمؤمنين: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ?{الحجرات:2}لكفى، فيجب القول به على الجملة ويحال التفصيل إلى الله تعالى، إذ لا دلالة قاطعة على أحد التفاصيل المذكورة، وإن كان الأنسب بالعدل والأقرب إلى سعة رحمة الله تعالى قول أبي علي فيما إذا زاد الثواب، وقول أبي هاشم فيما إذا زاد العقاب والله أعلم.(1/1393)
مسألة: في اسقاط العقاب عند التوبة
مسألة: وإذا تاب عن الكبيرة توبة نصوحاً سقط عقابها إجماعاً وهو معلوم من الدين ضرورة، وإن اختلف في وجوبه على الله تعالى ومجرد حسنه، واختلف هل يعود بالتوبة ما قد أحبطته المعصية من الثواب، وكذلك إذا عاد إلى المعصية بعد أن قد تاب عنها هل يعود عقاب المعصية التي تاب عنها، فقيل: لا في الطرفين وهو قول البصرية ومن وافقهم من الزيدية كالمهدي عليه السلام وغيره، وقيل: نعم في الطرفين وهو قول بشر بن المعتمر، وقيل: نعم في الطرف الأول ولا في الثاني وهو قول أبي القاسم البلخي، ففرق بين الطرفين، وقال: يعود الثواب الذي أحبطته المعصية بالتوبة ولا يعود عقاب ما تاب عنه بالرجوع إلى المعصية، وهذا هو الأنسب بالعدل وسعة رحمته وجوده وكرمه سبحانه وتعالى.
قال النجري في حكاية متمسك أبي القاسم ما لفظه: ووجه الفرق أن إحباط الثواب عقاب كما تقدم، وقد سقط العقاب بالتوبة فيعود الثواب بخلاف إسقاط العقاب عند التوبة فإنه تفضل وجود عنده، فلا يجوز الرجوع فيه بعد بطلان التوبة.(1/1394)
قلت: ويدل عليه قوله تعالى: ?إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ?{الفرقان:70}، فإذا كانت السيئة في نفسها تبدل حسنة فبالأولى أن يعود ما قد كان أحبطته السيئة، قال الناصر للحق عليه السلام في كتاب البساط في تفسير هذا: أعلمنا الله سبحانه وتعالى أن العبد إذا تاب رد عليه ما بطل من عمله وجعل بدل سيئاته حسنات، ولما وافق الإمام المهدي عليه السلام البصرية في عدم رجوع ما أحبطته المعصية من الثواب خالفهم في أنه يتجدد له في المستقبل استحقاق الثواب على طاعاته الماضية التي قبل المعصية لأنها أي الطاعة في حكم الباقية بذاتها وإنما أحبطت الكبيرة ما قد كان حصل له منها من الثواب فحيث تاب عن الكبيرة تجدد الاستحقاق في المستقبل يعني من بعد التوبة واستحق عليها من الثواب كما يستحق على الطاعات المستقبلة.
قال النجري: وهو اللائق بالعدل والحكمة وإلاَّ لزم التساوي بين من قطع عمره في عبادة الله وطاعاته ثم فعل كبيرة ثم تاب عنها قبل موته، وبين من قطع عمره في عصيان الله والكفر به ثم تاب قبل موته، والفرق بينهما مما لا يشك فيه، واعترضهم شارح الأساس عليه السلام وقال ما لفظه: ثم نقول وما دليلكم على أن ثواب الطاعة إنما حصلت كثرته بتزايد الأوقات وأنه لم يعده الله كثيراً من غير مرور الأزمان، لأن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بذلك بل أخبرنا أنه كثير دائم غير منقطع ؟.(1/1395)