ولقائل أن يقول: لا يُسلم صحة هذا الكلام لأن المراد أن من أشرك ثم تاب صار ثواب توبته أكثر من عقاب شركه، ولا يلزم أن يكون أكثر من ثواب النبوة لأن الثواب المعدود للنبوة ما بلغ القدر الذي لا يصل إليه غيره إلا مع عدم ملامسة الشرك فلو قدر ملامسة الشرك مع النبوة لم يكن ثواب رأساً فضلاً أن تقع مفاضلة بين هذا الثواب أي ثواب النبوة المحبط بالشرك وبين ثواب توبة من أشرك، فلا يلزم ما ذكروه من النتيجة الفاسدة أن يكون التائب من الشرك أفضل من النبي بل من الملك، لأن ثواب النبوة في الأصل أكثر من ثواب التائب عن الشرك وإن كان ثواب النبوة يحبطه الشرك ونحوه لو وقع.
والتحقيق: أنهم بنوا الجواب على وجوب استواء عقاب الشرك في حق النبي وغيره، ووجوب استواء ثواب من تاب من معصيته في حق النبي وغيره، وهذا إن سلمنا صحته فلا يلزم منه أن يكون ثواب التائب عن الشرك أكثر من ثواب النبي على النبوة لانعقاد الإجماع على أن النبي أكثر ثواباً من غيره، فجوابهم على المنازع في المسألة لا يتضح نهوضه بالمطلوب.(1/1386)


فالأحسن في الجواب أن يقال: وقع الإجماع على نجاة التائب عن المعصية من دون التفات إلى تزايد أجري الثواب والعقاب، وعلم من ضرورة الدين أن من أشرك عمره ثم تاب وآمن ولو من قبيل الموت بيسير كان ناجياً من النار، ما ذاك إلا أن التوبة تزيل العقاب بنفسها لا بكثرة ثوابها عليه، إذ لا طريق إلى العلم بكثرة ثواب من هذا حاله إلا الوحي أو تعمره في الإيمان أكثر من تعمره في الشرك، ولا قائل به على أن الأخير إنما يفيد الظن والأول وإن أعلمنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه سلم من النار ودخل الجنة، فلم يعلمنا أنه بسبب زيادة ثواب توبته على عقاب شركه فنحمله على أن التوبة أسقطت العقاب بنفسها، ويدل عليه قوله تعالى: ?قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ?{الأنفال:38}، فجعل الانتهاء الذي هو التوبة عن الكفر موجباً للغفران من دون تعليق بزيادة ثواب على عقاب ولا إخبار به، بل الإخبار إنما هو بوقوع الغفران نفسه وهو إسقاط العقاب من أصله وليس إلا بالتوبة لفقد العلم بما سواها.(1/1387)


مسألة: لا تصح التوبة من ذنب دون ذنب
مسألة: حكى الحاكم عن أمير المؤمنين عليه السلام وزيد بن علي والصادق والقاسم بن إبراهيم عليهم السلام وبشر بن المعتمر وجعفر بن مبشر وأبي عبد الله البصري قال الإمام المهدي وهو قول واصل بن عطاء وقاضي القضاة وموسى بن جعفر وغيرهم: ولا تصح التوبة من ذنب دون ذنب ذكره في شرح الأساس، وذكره القرشي في المنهاج عن الجمهور، وحكاه شيخنا رحمه الله تعالى عن الإمام المهدي عليه السلام لنفسه قال: وقال المؤيد بالله وأبو القاسم: تصح مطلقاً، وقال أبو علي: تصح مع الإصرار على ما ليس من جنسه.
لنا: التوبة كالاعتذار من الإساءة ولا تصح من إساءة دون إساءة، وعموم آيات التوبة، وقوله تعالى: ?إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ ? {المائدة: 27 }انتهى.
احتج المخالف لو لم تصح التوبة من ذنب دون ذنب للزم في يهودي أسلم إسلاماً محققاً وهو مصر على غصب عشرة دراهم أن لا يصح إسلامه فيبقى على حكم اليهودية وذلك مخالف لإجماع الأمة، وأجاب عنه قاضي القضاة بأنهم إنما أجمعوا على خروجه من اليهودية ولا نسلم أنهم حكموا بصحة إسلامه وأنه قد صار حكمه حكم المؤمنين، وأما خروجه من اليهودية فلعدم التزامه أحكامها من السبت وغيره كما لو خرج من النصرانية، فإما أنه كتب له ثواب الإسلام وأجريت عليه أحكام المسلمين فهذا غير مسلم بل عقابه باق لم ينقص منه شيء، هكذا حكى الأصحاب جواب القاضي واستغنوا به في إبطال احتجاج المحتج به، وفيه نظر، إذ لا يسلم أنهم لم يحكموا بصحة إسلامه بل حكموا بصحة إسلامه بالمعنى الأعم من معنيي الإسلام وهو الشهادتين والتبري من سائر الأديان وتصديق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما جاء به.(1/1388)


دليله أنه أنهم لا يمنعون مناكحته وأكل ذبيحته وثبوت التوارث بينه وبين المسلمين، وأما قوله: وأنه قد صار حكمه حكم المؤمنين، فمسلم أنه لم يصر حكمه حكم المؤمنين، لكن هذا غير قادح لأن المؤمن من أتى بالواجبات واجتنب المقبحات، فيكون له حكم الفاسق من المسلمين، وأما عدم تسليمه أنه كتب له ثواب الإسلام فالمطلوب في المسألة أنه نجا من عذاب اليهودية، وهو الظاهر واللائق بعدل الله سبحانه لتبريه عن اليهودية وخروجه منها فكيف يعاقب عليها ؟ ومن أين لكم أنه ما نجا من عذاب اليهودية وإن لم يكن له ثواب الإسلام، لأن ثواب الإسلام إن أردتم به السلامة من عذاب الكفر الذي خرج عنه فهو محط النزاع، وإن أردتم المنافع والنعيم المقرون بالإجلال والتعظيم فلا يلزم وصوله إليه لمنافاة الفسق وهو غصب العشرة الدراهم استحقاق ذلك.
وقد حكى القرشي عن الجمهور أنهم احتجوا بأنه لا يصح أن يندم على قبيح لقبحه ولا يندم على ما سواه في القبح، وقد تقرر في العقول أن من ترك فعلاً لعلة فإنه يجب أن يترك ما ساواه في تلك العلة، وإلا لم يكن قد تركه لتلك العلة، ألا ترى أن من امتنع من أكل رمانة لأنها حامضة فإنه يجب أن يمتنع من كل حامض وإلا بطل كون علة الترك الحموضة.(1/1389)


قلت: وهذا كلام جيد صحيح، لكنه يلزم منه أن تصح التوبة من قبيح مع الإصرار على ما هو دونه في القبح، ولا تصح مع الإصرار على ما هو مساوٍ أو أقبح، وهذا هو الحق وإلا لزم في الملحد النافي للصانع عز وجل أن إذا عرف أدلة إثبات الصانع فآمن به وعرف النبوة وصدق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والتزم دينه وفعل جميع الواجبات واجتنب جميع المحرمات ما خلا الإصرار على مطل غريمه بعشرة دراهم أن يبقى ملحداً نافياً للصانع عز وجل كافراً بالنبوة، وليس للقاضي في هذا أن يقول: إنما خرج عن الإلحاد ولم يدخل في الإسلام، لأنا نقول: إنما خرج عن الإلحاد بالدخول في الإسلام وهو معرفة الصانع والنبوة والتزام دين الإسلام مع التبري عن سائر الأديان، وأيضاً يلزم في البغاة من المسلمين والسرق والزناة أن لا يصح لهم توبة عن البغي والسرقة والزنا إذ ما من أحد من المسلمين إلا وله معصية قد لا يتوب عنها لاعتقاد صغرها في جنب طاعاته أو اتكالاً على العفو والشفاعة أو لتسويفه بالتوبة حتى أدركه الموت، وهذا إن التزمه من أثبت الموازنة ولم يقل بصحة التوبة عن القبيح مع الإصرار عما هو دونه في القبح بطل مذهبه في الموازنة وإن لم يلتزمه خرج من مذهبه في المسألة، فأما مع الإصرار على ما هو مساوٍ أو فرقه في القبح، فلا شك أن ذلك لا يصح إن أريد بالصحة وصول ثواب التوبة لمنافاة عقاب الأقبح والمساوي ثواب التوبة عن الأدنى، وإن أريد بها السلامة من عقاب الأدنى الذي تاب عنه فيحتمل ويحتمل، والأرجح والله أعلم سلامته من عقاب الذي تاب عنه، ولعل ذلك هو المراد من إطلاق المؤيد بالله عليه السلام بصحة التوبة من قبيح مع الإصرار على قبيح آخر مطلقاً فيعود خلافه في الظاهر إلى وفاق من تقدمه من الأئمة عليهم السلام في المعنى والله أعلم.(1/1390)

278 / 311
ع
En
A+
A-