مسألة: وتجب التوبة على الفور
مسالة: وتجب على الفور، وتصح مدة العمر ما لم يغرغر، أما كونها تجب على الفور فلأن المكلف مخاطب بترك القبيح وفعل الواجب المؤقت بلا مهلة، ولأن الاستمرار في المعصية وترك الواجب إصرار على المعصية وهو محرم قطعاً، ولا يمكن الانفصال عنه إلا بالتوبة فوجبت المبادرة بها ولأنه لا يؤمن في كل حين هجوم الموت لو سوَّف التوبة، فتجب فوراً من عقيب العصيان، وأما أنها تصح مدة العمر ما لم يغرغر بالموت فهو معلوم ولا خلاف فيه، ولقوله تعالى: ?إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا o وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ? الآية{النساء:17،18}، أفاد قوله تعالى: ? ثم يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ? وجوب المبادرة بها، وأفادت الآية الثانية أنها تصح مدة العمر إلى أن يحضر الموت فإذا حضر الموت، لم تنفع حينئذ التوبة ولا قبول لها نسأل الله التوفيق.(1/1381)
مسألة: التوبة تصح من كل ذنب كفراً كان أو فسقاً أو غيرها
مسألة: وهي تصح من كل ذنب كفراً كان أو فسقاً أو غيرهما، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: لا توبة لقاتل المؤمن عمداً، وقد تُؤُوِّلَ بأن مراده: لا توفيق لقاتل المؤمن عمداً حتى تكون منه توبة، ذكره القرشي في المنهاج، وهو أولى لأن أدلة قبولها من كل ذنب لا تخفى على مثله كقوله تعالى: ?وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ? إلى قوله ?إِلا مَنْ تَابَ?الآية{الفرقان من 68إلى 70}، ولقوله تعالى: ?قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ?{الأنفال:38}، والإجماع منعقد بعده على ذلك، فأما قوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ?{النساء:93}، فهي مطلقة مقيدة بقوله تعالى: ?إِلا مَنْ تَابَ ?الآية، وحمل المطلق على المقيد واجب باتفاق أئمة الأصول، وإلا أدى إلى إلغاء القيد وهو كلام حكيم لا يجوز إلغاؤه.(1/1382)
مسألة: التوبة عامة
مسألة: قال المنصور بالله عليه السلام : ولا طاعة يعلم كونها كبيرة غير التوبة النصوح العامة لكل ذنب وهو مبني على القول بالموازنة، لكن لا خلاف أن التوبة مهما عمت وتاب المكلف من كل ذنب اقترفه أنها تتم به النجاة، لكن مرامه عليه السلام أن سائر الطاعات كالشهادتين والصلاة والصوم وغير ذلك لا يعلم كبر ذلك فيصير كل ذنب معه صغيراً كما في التوبة العامة، لأن الكبيرة عند أهل الموازنة من الطاعات ما زاد ثواب فاعلها على عقابه، ومن المعاصي بالعكس وهو ما زاد عقاب فاعلها على ثوابه، وهذا غير معلوم لنا إلا فيما دل عليه دليل سمعي، ولم يرد الدليل السمعي المفيد القطع بزيادة ثواب الفاعل للطاعة على عقابه إلا في التوبة العامة دون سائر الطاعات فيحتمل ويحتمل، وكذلك في المعاصي لا يعلم زيادة عقاب عاص على ثوابه إلا فيما قد دل الدليل القطعي على كِبر معصيته كالزنا وشرب الخمر وقتل النفس المحرمة ونحو ذلك، فنتج من هذا أن لا طاعة يعلم كونها كبيرة إلا التوبة العامة، وأما المعاصي كثيراً ما يعلم كبره فهذا معنى كونه عليه السلام بنى على ذلك الموازنة كما هو مذهبه ومذهب جماعة من أهل البيت عليهم السلام وبعض الزيدية وبعض المعتزلة وغيرهم، وسيأتي تحقيق هذه المسألة، وأما من لم يقل بالموازنة فقد وافقوا أن التوبة العامة مكفرة جميع الذنوب، وأنها موجبة للنجاة والفوز بالنعيم الدائم لعموم ما تعلقت به ولأنها من أقرب القرب إلى الله تعالى لا من باب الموازنة.
والفرق بين المذهبين: أن على قول المنصور بالله ثواب التوبة العامة يزيد على عقاب كل معصية سبقتها قطعاً، وعلى قول الآخرين التوبة كفرت العقاب السابق، ولو فرض أن ثوابها أقل منه فنتج من قول الجميع نجاة التائب من كل ذنب عن الهلاك وفوزه برضا الله سبحانه وتعالى.(1/1383)
مسألة: التوبة موجبة لإسقاط العقاب بنفسها
مسألة: وهي موجبة لإسقاط العقاب بنفسها عند الجمهور، وقال أبو الهذيل: إنما يتفضل الله بإسقاطه عندها، وبه قالت البغدادية لكنهم يوجبون إسقاط العقاب من باب الأصلح لا من حيث أن التوبة موجبة لذلك.
قلت: ويلزم من قال لا يجب قبول التوبة كالجلال وشارح الأساس وغيرهما أن لا تكون موجبة لسقوط العقاب فينظر ماذا يفعل المكلف إن أراد التخلص من غضب الله تعالى ونكاله، ولابد لهم من القول بأن الواجب عليه أن يتوب لينجو من العقاب، فلزم أن التوبة مسقطة للعقاب، وإلا لما كان لإيجابها عليه وجه اللهم إلا أن يقولوا: لو قلنا بوجوب قبول التوبة. لقطع التائب بنجاة نفسه، ولا سبيل له إلى العلم بذلك، ولأن فيه تزكية النفس وهو محرم استقام، إلا أن لقائل أن يقول: هذا ممنوع من حيث أنه لا يعلم المكلف وقوع التوبة منه على الوجه النصوح المقبول، فلا يرد ما قالوه، فلزم أن يبقى بين الرجاء واليأس وعدم تزكية النفس وكلامنا فيما إذا وقعت على الوجه المقبول، وإن لم يعلم المكلف ذلك فينظر هل يوافقون في وقوع القبول لا محالة ارتفع الخلاف في المعنى وعاد إلى العبارة فقط.
أما شارح الأساس فقد نص في شرح قول الإمام عليه السلام وما يفعله الله قطعاً لا يقال إنه واجب على الله تعالى أخبرنا بذلك وقضت به حكمة العدل، فعلم من كلامه أنه إنما يخالف في جواز إطلاق لفظ الوجوب وأنه تعالى لو أخل بذلك لقدح في العدل والحكمة، فقد عاد كلامه في المعنى إلى إيجاب قبول التوبة وإن تحاشى في العبارة.
وأما الجلال فهو بنى الكلام في ذلك على مسألة الإرجاء، وهو أن العاصي تحت المشيئة إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه تاب أو لم يتب، وشنَّع على من قال بوجوب التوبة.(1/1384)
فظاهر كلامه الخلاف في المسألة في اللفظ والمعنى، فلو عذب التائب لم يقدح ذلك في العدل والحكمة وهو باطل بلزوم عدم الفرق بين التائب والمصر ولزوم عبث شرعية التوبة وإيجابها على المكلف ولزوم الإغراء بالقبيح وعدم المسارعة إلى التوبة، لأن التائب إذا كان لا يقول إن الله يقبل توبته لا محالة ولو كانت نصوحاً لم يكن له داع إليها، حيث يجوز التعذيب معها فيؤدي إلى الأياس والقنوط من روح الله، فظهر لك الفرق بين كلام السيدين في المعنى وإن اتفقا في العبارة أنه لا يجب على الله قبول التوبة، وقلنا: بنفسها، إشارة إلى قول من قال: إنما تُسقط العقاب بكثرة ثوابها، قال الإمام المهدي عليه السلام في الرد عليه: قلنا يستلزم كون ثوابها أكثر من ثواب النبوة وهو باطل قطعاً انتهى، ووجهه أنا قد علمنا أن الشرك يحبط ثواب النبوة ويبطله لقوله تعالى: ?لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ?{الزمر:65}، وكذلك الركون إلى الكفار لقوله تعالى: ?إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ?{الإسراء:75}، بل ذلك في حق الملائكة عليهم السلام مع ما ثبت أنهم أفضل من الأنبياء عليهم السلام قال تعالى في شأنهم: ?وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ? {الأنبياء:29}، فلو كانت التوبة إنما أسقطت العقاب بكثرة ثوابها لا بوقوعها في نفسها من التائب للزم أن يكون ثوابها أكثر من ثواب النبوة، فيلزم أن التائب من الشرك أفضل من النبي بل من المَلَك، وذلك باطل إجماعاً هكذا ذكر معناه شارح القلائد ومثله ذكر القرشي.(1/1385)