أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ".
[ وكذلك حصره ] وهو حبسه وعدم تخلية سبيله معطوف على ما قبله فلا يجوز إلا بالحق، وهو أن ذلك راجع إلى نظر ذي الولاية فما قد وجب فيه حد وأقيم عليه لم يجز حبسه بعد ذلك، وما لم يكن فيه حد جاز لذي الولاية حبسه من باب التعزير والتأديب، وأما حبس من يجب عليه حد قبل إقامته فجائز ليحفظ إلى أن يقام عليه الحد، وليس لسائر الناس حبس العاصي مطلقاً إلا إذا كان يضرهم جاز لهم ذلك ليدفعوا عن نفوسهم ضرره، [ وأما سَبْؤُه فلا يجوز بحال من الأحوال. ] لأنه مسلم حر أصل، ومن كان كذلك لم يصح تملكه فلو ارتد ولحق بالكفار وسبي لم يصح بقاؤه في الرق، بل يقتل إن لم يسلم.(1/1376)
تتمة: تتصل بباب الوعد والوعيد تتعلق بالتوبة والإحباط والتكفير
تتمة: تتصل بباب الوعد والوعيد تتعلق بالتوبة والإحباط والتكفير وكيفية الموازنة عند القائلين بها.(1/1377)
مسألة: التوبة
هي الندم على فعل القبيح لقبحه أو ترك الواجب لوجوبه، واختلف في العزم على أن لا يعود هل هو ركن منها أو شرط في صحتها، فقال السيد مَانِكْدِيْم: العزم شرط وليس بركن، وخالفه الجمهور وعلى كل حال فلا بد منه وإلا لم تصح التوبة، وقلنا: في الندم، أن يكون لقبح فعل القبيح وقبح ترك الواجب لأنه إذا لم يكن لذلك بل لما لحقه من المذمة والعار وسقوط مرتبته عند الناس أو لما سيلحقه من العقوبة والتأديب من ذي الولاية فليس ذلك الندم توبة وليس مسقطاً عنه عقاب الآخرة، وهل إذا وقع الندم خوفاً من عقاب الآخرة من دون أن يكون لأجل القبح ينفع في إسقاط عقاب الآخرة أم لا ؟ الأظهر الأول، ويدل عليه قوله تعالى: ?إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ?{الأنعام:15}، وهل يسقط من العقاب المستحق في الآخرة بمقدار ما قد وقع عليه من الحدود والتأديبات والنقائص والانتقامات في الدنيا أم لا ؟ في ذلك خلاف الأظهر الأول، إن قلنا: إن الحدود ونحوها شرعت عقوبة، وكذا إن قلنا إنما شرعت للزجر لأن تقدم إسقاط شيء من العقاب الأخروي يكون ما وقع من الضرر في الدنيا ظلماً، فلا بد من إسقاط ما يساويه من الأخروي.(1/1378)
مسألة: التوبة واجبة إجماعاً من كل معصية صغيرة أم كبيرة
مسألة: وهي واجبة إجماعاً من كل معصية صغيرة كانت أو كبيرة عمداً ترك الواجب أو فعل القبيح أم سهواً وخطأً، لأن فعل القبيح وترك الواجب معصية بكل حال إلا في حق المكره والمضطر على أن الاستغفار منهما حسن لكن لا يجب، فأما في السهو والخطأ فتجب التوبة لأن سببهما قد يكون من جهته بعدم النظر والتحفظ والتيقظ، وإن فرضنا عدم ذلك فالفعل قبيح في ذاته، وكل قبيح تجب فيه التوبة بخلاف المكره والمضطر فقد خرج الفعل بالإكراه والاضطرار عن القبح بدليل أنه قد وجب الفطر عند الاضطرار، وأبيح عند الإكراه.
لا يقال: قد رُفع الخطأ والنسيان عن هذه الأمة فلا تجب توبة فيما فُعل كذلك.
لأنا نقول: لا رفع إلا لما هو ثابت مستحق، ورَفع الإثم بالعفو عن فاعله لا يدل على خروج الفعل عن القبح المستلزم للتوبة وإنما هو إسقاط عارض على سبيل التفضل، فوجبت التوبة لأجل القبح، وأيضاً لو أصر على الأسباب المقتضيات للخطأ والنسيان من عدم النظر وعدم التحفظ والتيقظ لكان في حكم المتعمد للفعل.(1/1379)
مسألة: وجوب التوبة عقلاً وسمعاً
مسألة: ووجوب التوبة عقلاً وسمعاً من الكبيرة والصغيرة، وقال القرشي: إنما يعلم وجوب التوبة عن الصغيرة بالسمع فقط، لا بالعقل لأنه لا ضرر فيها وهو قول أبي هاشم.
قلت: بل لقائل أن يعكس عليه المسألة والاستدلال لأن كونها لا ضرر فيها إنما عُلم سمعاً، وهو قوله تعالى: ?إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ?، وما ورد من أن فعل الصلاتين مكفر لما بينهما ما اجتُنبت الكبائر، فلم يعلم كونها لا ضرر فيها إلا سمعاً دون العقل، فهو قاض بوجوب التوبة عن كل قبيح، فيقال حينئذٍ: تجب التوبة عن الصغيرة عقلاً لا سمعاً، لكن لم يعلم خلاف في وجوبها سمعاً صغيرة كانت المعصية أم كبيرة، وإنما الخلاف في وجوبها عقلاً عن الصغيرة فلذا قلنا: تجب عقلاً وسمعاً عن الصغيرة والكبيرة، وقد ذهب أبو الحسين إلى أن العلم بوجوب التوبة معلوم ضرورة - يعني من جهة العقل - كما يعلم وجوب دفع الضرر عن النفس وهو معلوم من الدين ضرورة.(1/1380)