قلت: ولعل الجمهور يجيبون عن هذه الحجج بأن ظاهرها يدل على الكفر الصريح ولا قائل به في مرتكب الكبيرة من هذه الأمة إلا بعض الخوارج كما مر، فلابد من تأويلها على كلا المذهبين، وإذا كان كذلك فالمراد بها من خالف مستحلاً ولا خلاف في كفره الكفر الصريح، وفيه حمل الكفر على حقيقته وظاهره وهو الواجب مهما لم تلجيء الضرورة إلى تأويل اللفظ، وفيه من التجوز حمل التارك المطلق في الآيات والأحاديث على المقيد وهو المستحل، فيكون من باب وضع المطلق موضع المقيد وهو مجاز اقتضاه الدليل، وهو منع تسمية تارك الواجب أو فاعل المحرم من هذه الأمة كافراً صريحاً وهو مجاز اقتضاه الدليل أيضاً، وهو ورود هذه الآيات والأحاديث بتكفير من خالف من هذه الأمة مع الإجماع أنه ليس بكافر صريحاً إلا ما ذهب إليه بعض الخوارج، فلا بد من حمله على كافر النعمة وهو الفاسق من هذه الأمة حيث لم يستحل ذلك.
فقد علمت أيها المسترشد أن في كلٍ من المذهبين بين ارتكاب المجاز في جانب، واستعمال الحقيقة في جانب، ففي كل منهما قوة وضعف فتأمل.(1/1371)


ومحل النزاع إذا تأملت راجع إلى لفظ الكفر هل نقل شرعاً من معناه العرفي وهو الإخلال بالشكر إلى معنى آخر وهو الكفر الموجب للخروج من الإسلام كما هو قول الناصر عليه السلام ومن معه، فعلى كلام الجمهور لا يجوز بعد ذلك النقل إطلاقه إلا على من خرج من الملة، فإن أطلق على غيره وهو من أخل بشكر المنعم فمجاز، وعلى قول الناصر عليه السلام ومن معه حيث لم يسلموا النقل يجوز أن يسمى كل من أخل بالشكر للمنعم كافراً حقيقة سواء خرج من الملة أم لا، لكن يقيد في من لم يخرج من الملة بالإضافة إلى النعمة وعلى قول الناصر عليه السلام ومن معه فيه حمل لفظ التارك على حقيقته وظاهره كما هو الواجب مهما لم تلجي الضرورة إلى تأويل اللفظ، وفيه من التجوز حمل الكافر المطلق في الآيات والأحاديث على المقيد وهو كافر النعمة لئلا يوهم أنه ليس من الأمة ولا من أهل القبلة، والقرينة عندهم معينة لا صارفة فهي القرينة التي ترد لتعيين اللفظ المشترك وقصره على أحد معنييه لا القرينة التي ترد لصرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وهذا كلام جيد، إلا أنه يرد عليه أن يقال: فالآيات والأحاديث التي احتججتم بها لم يضف فيها الكفر إلى النعمة حتى يتم الاستدلال.(1/1372)


ويمكن الجواب عليه بأن يقال: إنما حذفت القرينة فيها وأطلق اللفظ ليصبح إرادة العموم والوعيد لمن ترك مستحلاً وجاحداً ومن ليس كذلك فيلزم حذف القيد، لئلا ينافي عموم الوعيد وتكون القرينة في حق غير المستحل عقلية كما في قوله تعالى: ?وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?، فإن العقل خصص من هذا العموم ذاته عز وجل دون قوله تعالى: ?وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?، فهو على عمومه، وهو تعالى شيء لا كالأشياء لكن لو ذكر هذا القيد في كلا الآيتين أو أحدهما فالعموم المراد فيهما الأولى لجميع ما عداه عز وجل، والثانية لجميع المعلومات لأن ذاته عز وجل من جملة المعلومات، وليست من جملة المقدورات، وأيضاً لو ذكر هذا القيد بأن قيل هو على كل شيء لا كالأشياء قدير، وبكل شيء لا كالأشياء عليم، لفسد المعنى فيهما للزوم أن لا مقدور له ولا معلوم له عز وجل إلا ذاته، فعلم من هذا أن القرينة متى كان إظهارها يخل بالمعنى لزم حذفها ويحال العلم بها إلى العقل فتقدر فيما يصح إظهارها فيه، ويترك التقدير فيما لا يصح، وهذا القول - أعني قول الناصر ومن معه - مبني على أن الشكر العقلي واجب بالجنان واللسان والأركان، ويدل عليه قوله تعالى: ?اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ?{سبأ:13}، وقول الشاعر:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةٌ .... يدي ولساني والضمير المحجبا
وأن الإخلال بذلك يسمى كفراً يدل عليه قول الآخر:
نبئت عمراً غير شاكر نعمتي .... والكفرُ مخبثةٌ لقلبِ المنعمِ(1/1373)


جملة المعلومات، وليست من جملة المقدورات، وأيضاً لو ذكر هذا القيد بأن قيل هو على كل شيء لا كالأشياء قدير، وبكل شيء لا كالأشياء عليم، لفسد المعنى فيهما للزوم أن لا مقدور له ولا معلوم له عز وجل إلا ذاته، فعلم من هذا أن القرينة متى كان إظهارها يخل بالمعنى لزم حذفها ويحال العلم بها إلى العقل فتقدر فيما يصح إظهارها فيه، ويترك التقدير فيما لا يصح، وهذا القول أعني قول الناصر ومن معه مبني على أن الشكر العقلي واجب بالجنان واللسان والأركان، ويدل عليه قوله تعالى: ?اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ?{سبأ:13}، وقول الشاعر:
يدي ولساني والضمير المحجبا

أفادتكم النعماء مني ثلاثة

وأن الإخلال بذلك يسمى كفراً يدل عليه قول الآخر:
والكفرُ مخبثةٌ لقلبِ المنعمِ

نبئت عمراً غير شاكر نعمتي

فأطلق في الأول الشكر على الثلاثة، وأطلق في الثاني الكفر على الإخلال بالشكر للنعمة وهو الصحيح وهو قول أكثر الزيدية وبعض المعتزلة والأشعرية والمحدثين وأهل اللغة ولم يخالف فيه إلا بعض الزيدية وبعض المعتزلة، فقالوا: الشكر العقلي ليس إلا الاعتراف بالنعمة، وكفر النعمة ليس إلا جحدها دون العصيان باللسان أو الأركان فلا يعد كفر نعمة.
قالوا: والفاسق لم يجحد نعمة الله فيكون شاكراً.
قلنا: فيلزم في اليهودي والنصراني وعابد الصنم إذا لم يجحدوا نعمة الله أن يكونوا شاكرين فلا يخاطبوا بالشرعيات.
قالوا: إنما خوطبوا بها لما فيها من اللطف في الواجبات العقلية.
قلنا: ولما قصر تعليل وجوب الشرعيات على اللطف وهو لا ينافي كونها شكراً كما مر تقريره في صدر الكتاب على أنكم قد سلمتم كونها شكراً شرعاً وإنما أنكرتم كونها شكراً عقلاً.(1/1374)


وحينئذ فنقول: إذا كانت شكراً بإقراركم صار الإخلال بها كفر نعمة شرعاً وهو المطلوب سيما وهو مروي عن أمير المؤمنين وإمام المتكلمين، وعليه إجماع العترة الطاهرين كما قد رأيت من رواية المؤلف والإمام القاسم بن محمد عليهما السلام.
[ وأما حكمه فحكم الكافر فيما تقدم ] من وجوب معاداته والبراءة منه، لأن الفاسق عدواً لله كالكافر ويدل على ذلك قوله تعالى: ?وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ?{النور:2}، مع قوله تعالى في صفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: ?بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤفٌ رَحِيمٌ ?{التوبة:128}، فشرط في صحة إيماننا عدم الرأفة بالزانيين، ونهانا عنها والرسول صلى الله عليه وآله وسلم من جملة من نهى عنها ما ذاك إلا أن معاداة الفاسق والبراءة منه واجبان قطعاً، وإلا لزم أن يكون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم رؤوفاً به، وكذلك أمته لوجوب التأسي به في ذلك، فينافي قوله تعالى: ?وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ?، وقوله تعالى: ?وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا? {النور:4} في القاذف، وقوله تعالى: ?إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? الآية{المائدة:33} في المحارب، وقوله تعالى: ?جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ?{المائدة:38} في السارق، كل ذلك يدل على وجوب معاداة الفساق والبراءة منهم [ إلا القتل والقتال، وأخذ الأموال، فلا يجوز إلا بالحق، ] وذلك إذا حصل سبب مقتضي لذلك كالقصاص وقتال الباغي ورجم الزاني المحصن، ونحو أخذ المال عما يلزم الفاسق من زكاة أو ديون أو نفقة من يجب عليه إنفاقه أو ما أجلب به البغاة إلى محطة قتال المحقين وتضمينهم ما أخذوه من المسلمين، [ ولا يجوز قتلهم ] وأخذ أموالهم [ على الإطلاق، ] يعني بلا سبب ومقتضى شرعي، كما جاز ذلك في الكفار لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أمرت(1/1375)

275 / 311
ع
En
A+
A-