[ و ] كذلك [ السارق من حرز ]، لا من غير الحرز كمن ينتهب من طريق أو محل لم يعد غيره حرزاً والمراد أن يفك الحرز بنفسه، فإذا هتك الحرز غيره فسرق السارق بعد أن هتك غيره الحرز لم يقطع بفسقه، فمتى كان كذلك وكان المسروق [ عشرة دراهم ] كل درهم [ قفلة ]، والقفلة هي في نفسها مختلفة، فالقفلة الإسلامية: عشرة قراريط ونصف كل قيراط أربع شعائر تكون اثنين وأربعين شعيرة، وهذا هو الدرهم المقدر به نصاب الزكاة وأقل المهر، والقفلة المتعامل عليها ستة عشر قيراطاً كل قيراط أربع شعائر يكون أربعة وستين شعيرة، وكل هذا غير مراد في نصاب السرقة بل المراد بالدرهم والقفلة في نصاب السرقة وزن ثمان وأربعين شعيرة على ما هو مقرر للمذهب الشريف فضة خالصة، فيكون التفاوت بين درهم الزكاة والمهر وبين درهم السرقة أن درهم الزكاة ينقص عن درهم السرقة الثمن، لأن نسبة الست الشعائر التي وقع بها التفاوت من الثمان والأربعين، ولا فرق بين أن تكون الفضة مضروبة أو غير مضروبة مهما كانت وزن العشرة الدراهم، قوله عليه السلام [ بغير حق، ] متحرز مما إذا كان بحق كأن يسرق السارق شيئاً فيحرزه فيسرقه مالكه من ذلك الحرز، وإن هتك الحرز إذ ليس لحرزه حكم، ومثله الغاصب إذا أخذه المالك فأما إذا أخذه شخص آخر فإن كان بنية إرجاعه إلى المالك فكذلك، وإن كان بنية الأخذ لنفسه فليس محقاً لكن لا يفسق لأنه لا حكم لحرز الغاصب، وفي قطعه خلاف بين الفروعيين وكذا ما كان فيه شبهة حق، كأن يسرق من بيت المال أو من مال أبيه أو ولده أو قريبه الموسر مع إعساره أو عبد من مال سيده أو أحد الزوجين مال الآخر، فلا يقطع بفسق وإن أثم، ولا تقطع يده في جميع ذلك على الصحيح والله أعلم.(1/1366)


واعلم أنه لا تلازم بين السرق من الحرز وبين التفسيق، ولا بينهما وبين القطع بأن السارق قد يتوب فيسقط الفسق وقد يكون في غير زمن إمام فيسقط القطع دون الفسق إن لم يتب، وقد يكون القطع مستنداً إلى شهادة زور فلا فسق، وإذا كان كذلك فلا يقطع بفسق السارق إلا إذا تواترت عنه السرقة ولم تنقل عنه توبة، وأما شهادة العدلين أو الإقرار فإنما يفيدان الظن فلا يجوز التفسيق بهما لكن يثبت بهما وجوب القطع والله أعلم. قوله عليه السلام [ ونحو ذلك من الكبائر، ] كأكل مال اليتيم ظلماً، وأكل الربا المجمع عليه، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين إلى غير ذلك.(1/1367)


حكم الفاسق
وأما حكم الفاسق: فقد بينه عليه السلام بقوله [ فمن فعل ذلك أو شيئاً منه، فإنه يجوز أن نسميه بالأسماء المتقدمة قبل هذا ] الفصل وهي الأسماء المذكورة [ في ] فصل معرفة [ الكافر، ] وأحكامه [ إلا لفظ: الكافر والمنافق، ] فلا يجوز أن نسميه بأحدهما وإنما يجوز أن نسميه بسائر الأسماء المذكورة هناك من كونه فاجراً وفاسقاً وطاغياً ومارقاً ومجرماً وظالماً وآثماً وغاشماً، وإنما قلنا: إنها تجوز تسميته بجميع هذه الأسماء لما ذكره عليه السلام من قوله [ فإن ما عداهما ] أي لفظ الكافر والمنافق [ إجماع أنه يجوز تسميته به، ] والإجماع حجة قطعية، وقد مر أن الخلاف مع الخوارج في منع اسم الكافر، وللحسن البصري في منع المنافق، ولم يذكر ذلك في المختصر، فأراد عليه السلام بما ذكر هنا الإشارة إلى ذلك والرد على الحسن بقوله [ وأما المنافق فلا دلالة تدل على جواز إطلاقه عليه، ] لأن المنافق صار حقيقة شرعية لمن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وليس هذا معلوم لنا من مرتكب الكبيرة، فإذا وسمناه بالنفاق كنا متجارين عليه، وكان من إفتاء ما ليس لنا به علم، وقد قال تعالى: ?وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً?{الإسراء:36}، حجة قوله تعالى: ?إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ?{التوبة:67}، ولأنه لو كان يعلم صدق المبلغ لما ارتكب الكبيرة الموجبة للنار، فارتكابها دليل عدم تصديق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما بلغ به في تحريمها، وذلك كفر لكنه لما لم يظهر هذا الكفر وكان مظهراً للإسلام كان منافقاً.
والجواب: أن الآية أفادت أن المنافق فاسق، ولم تفد أن الفاسق منافق،
فإن قيل: تعريف الطرفين وتوسط ضمير الفصل أفاد حصر كل منهما في الآخر.(1/1368)


قلنا: يلزم أن الكافر لا يسمى فاسقاً فلا بد من الخروج عن الظاهر بأن يقال: أراد الفسق اللغوي وهو الفحش في الخروج عن الطاعة والتجاوز في العصيان دون الفسق الشرعي الذي نحن بصدده، وذلك كقوله تعالى: ?وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ?{البقرة:99}، أي المفحشون في الخروج عن الطاعة وتجاوز الحد في الكفر والعصيان، وأما ما ذكره ثانياً في الاحتجاج بأن الفاسق لو كان مصدقاً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما ارتكب الكبيرة، فمردود بأنه قد يرتكبها مسوفاً للتوبة أو مجوزاً للعفو أو تمنيه نفسه أن له من الطاعات ما يزيد على عقابها أو أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم سيشفع له، فلا يسلم أن لا يرتكب الكبيرة إلا المكذب، [ وأما لفظ: الكافر، فمنعه كثير من العلماء، ] مطلقاً سواء قيد بأن أضيف إلى النعمة أم لا، [ وأجاز إطلاقه جماعة ] منهم [ مع التقييد، ] بالإضافة [ فقالوا: هو كافر نعمة، ] وهو قول الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش، ورواه في الأساس عن ابن عباس وجعفر والصادق والقاسم والهادي والناصر والإمام أحمد بن سليمان، قال: وقد روي أنه إجماع قدماء العترة عليهم السلام والشيعة واختاره ورد على من خالفه، ومن ثمه قال المؤلف عليه السلام [ وهو الصحيح، لأنه مروي عن علي عليه السلام ، وهو إجماع العترة عليهم السلام، ] ولعل المراد قدماؤهم لأن الخلاف بين المتأخرين مشهور والله أعلم.(1/1369)


قوله [ ولموافقته للكتاب، ] العزيز، يشير إلى قوله تعالى: ?وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ?{آل عمران:97}، فسمى تارك الحج كافراً، واحتج له شارح الأساس بآيات أخر من الكتاب كالآيات التي فيها تكفير من في النار مع أن الفاسق في النار، والآيات التي فيها تكفير من فعل محرماً أو ترك واجباً وهو من أهل القبلة، فالأول كقوله تعالى: ?وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ?{التوبة:49}. والثاني: كقوله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ? إلى قوله: ?وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ?{المجادلة:3،4}، قال وغير ذلك كثير، قال وروى الناصر عليه السلام بإسناده عن مبارك عن الحسن قال: قال رجل: يا رسول الله الحج لكل عام ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: " لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما قمتم بها، ولو تركتموها كفرتم " الخ ما ذكره تركته اختصاراً إلى أن قال: وقد ذكر الناصر عليه السلام في كتاب البساط حججاً كثيرة من الكتاب والسنة قال: ولم تجد المعتزلة آية من كتاب الله تعالى أن الفاسق لا يجري عليه اسم الكفر.(1/1370)

274 / 311
ع
En
A+
A-