إذا كر عليه.
ولأهل المذهب تفصيل في الفرار حاصله: إن كان لخشية استئصال السرية وهلاكهم أو نقصاً عاماً للإسلام أو وَهَناً يقتل فيه من صبر وثبت حال الفرار، والعهدة في ذلك لأمير الجند فمهما غلب في ظنه الهلاك ومن معه نقص عام للإسلام بأن كان هو الإمام أو يحصل بقتله من الضرر على عامة المسلمين كما يحصل بقتل الإمام أو يلحق الإسلام وهن بقتله ولو في قطر أو ناحية أو محل واحد جاز له ولمن معه الفرار ولو إلى غير فئة على ما صححه الفقيه ( ل ) للمذهب، ومن لم يكن في قتله أو من معه شيء من ذلك وغلب على ظنه نكاية العدو أو التبس الحال في نكاية العدو وغيرها لم يجز الفرار وإلا أدى إلى ترك الجهاد بأصله.(1/1361)
قال الإمام المهدي عليه السلام : ظاهر كلام أبي طالب أنه إنما يجوز الفرار بشروط ثلاثة: الأول: أن يخشى الاستئصال. الثاني: أن يعرف أن لا تحصل نكاية في الكفار. الثالث: أن يفر إلى فئة. حكى معنى ذلك صاحب الضياء، وقال عليه السلام في البحر: ومن غلب على ظنه وجده أنه إن لم يفر يقتل لم يلزمه الفرار إجماعاً، وفي جوازه وجهان: الإمام يحيى أصحهما لا يجوز للآية ولا نقص يعم المسلمين بقتله، وقيل: يجوز لقوله تعالى: ?وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ?{البقرة:195}، وقال عليه السلام : وكانت الهزيمة محرمة وإن كثر الكفار لقوله تعالى: ?فَلا تُوَلُّوهُمْ الأدْبَارَ?{الأنفال:15}، ثم خفف عنهم بقوله تعالى: ?إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ?{الأنفال:65}، فأوجب على كل واحد مصابرة عشرة بأن خفف عنهم فأوجب على الواحد مصابرة اثنين بقوله تعالى: ?الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ?{الأنفال:66}الآية، واستقر الشرع على ذلك، فحينئذ حرمت الهزيمة لقوله عليه السلام : من فر من اثنين فقد فر، ومن فر من ثلاثة فلم يفر انتهى كلامه عليه السلام ، وعلى هذا فإنما يفسق من فر من ضعف عدده لا من أكثر فلا يفسق، وكذلك من فر من قتال البغاة لا يقطع بفسقه لأن الدليل إنما ورد في الفرار من قتال الكفار، وإن كان لا يجوز له الفرار لغير مقتض.
[ وتارك الجهاد بعد وجوبه عليه، ] وهو يجب على المكلف في حالين: أحدهما: أن يكون دفاعاً عن النفس أو عن نفس محترمة غيره. الثاني: أن يعينه الإمام في الجهاد أو يدعو الناس عموماً إلى الجهاد، وعرف الشخص من نفسه أن الإمام لا يستغني عنه بغيره فمتى حصل أي ذلك تعين عليه الجهاد ووجب عليه، ومتى لم يحصل أي ذلك لم يتعين عليه بل يتعلق به الوجوب على حسب تعلق فرض الكفاية إذا كان العدو قد توجه على المسلمين أو دعا الإمام الناس عموماً ولم يعرف المكلف من نفسه احتياج الإمام إليه بذاته.(1/1362)
وينظر في دليل فسق التارك بعد الوجوب لأن تارك الواجب حسبما مر لا يفسق حتى تقوم الدلالة القطعية على أن ترك ذلك الواجب كبيرة، ولعله قياساً على من فر من الزحف فيكون ذلك في جهاد الكفار لا في جهاد البغاة، فيحتمل الفسق قياساً على ترك جهاد الكفار، ويحتمل عدمه لأن قوله تعالى: ?فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ?، إنما دلت على وجوب قتال الباغي لا على فسق من ترك قتاله.
[ وتارك الصلاة، والصيام، والحج ] والزكاة [ بعد وجوب ذلك عليه، ] أما الصلاة والصوم فلا إشكال في فسق من تركهما حتى خرج وقتهما عمداً وقد خالف بعض العلماء المتأخرين ورووه للمذهب الشريف في فسق قاطع الصلاة مع قولهم إنه في النار وقطعهم عليه بذلك، وهذا من العجائب لأنه لا يدخل النار إلا الكافر أو الفاسق على خلاف فيه حسبما مر، فكيف يصح القول بدخول النار من ليس بكافر ولا فاسق.
قال شيخنا رحمه الله تعالى: ومنه أي ومن الملتبس هل معصيته كبيرة أم صغيرة ؟ قاطع الصلاة عند من يقل بفسقه، قال: ومن خرافات مشائخ عصرنا أنهم يقولون من أهل النار وليس بفاسق !! وهذا منزلة رابعة لم يقف عليها إلا هم، فإن كان من أهل النار ما ضره الفاء والسين والقاف، ولم يفروا أي الذين منعوا من تفسيقه من المتكلمين من اللفظ إلا لملازمته دخول النار، ولم يدل عند أهل المذهب قاطع على دخوله النار لأن شرطهم في الكبيرة ما ذكروا، يعني أن يرد الوعيد عليه مع الحد أو لفظ يفيد العظم أو الكبر، وما عداه فملتبس، ثم قال: فافهم وهذا من التفريط في علم الكلام انتهى كلامه والمسك ختامه. وقد رأيت نص المؤلف عليه السلام على فسقه وهو أحد أئمة المذهب الشريف، وقال سيدي العلامة وجيه الإسلام شيخ شيخنا رحمهما الله تعالى في شرحه لمنظومة السيد الهادي عليه السلام عند قوله في مسألة المنزلة بين المنزلتين:
وقاطعِ فرضِ الله والشاربِ الخمرِ
فهذا عليهم مستحقٌ وذا يجرِ(1/1363)
ومذهبُنا في كل زانٍ وسارقٍ
بأن لهم في الاسمِ والحكمِ منزلاً
ما لفظه وقد فهم من قول السيد الهادي عليه السلام وقاطع فرض الله البيت، أن تارك الصلاة ونحوها من الفروض يسمى فاسقاً وهو ظاهر قول الناصر الحسن بن علي عليهما السلام انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقد دلت الأدلة على أن قاطع الصلاة في النار وأنه يقتل إن لم يتب، قال تعالى: ?مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ o قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ o وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ?{المدثر:42،43،44}، ?فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ o الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ?{الماعون:4،5}، فإذا كان الويل وهو اسم واد في جهنم لمن سهى عن الصلاة، فبالأولى من تركها عمداً، فبالأولى من قطعها على الدوام، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " ما بين الإسلام والكفر إلا ترك الصلاة "، " بني الإسلام على خمسةِ أركان " الخبر، ولا خلاف في صحته، فمن ترك أحد الخمسة فقد اختل إسلامه فأقل أحواله الفسق، وقال تعالى: ?فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ?{التوبة:5}، احتج بهذه الآية القاسم بن إبراهيم عليهما السلام على أن قاطع الصلاة يقتل لأنه تعالى لم يأمرنا بتخلية سبيل الكفار وترك قتالهم إلا بشرطين: التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلزم من عدم حصول الشرطين معاً وجوب قتلهم إن تركوا الصلاة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: " أول ما يسأل عنه المرء يوم القيامة الصلاة فإن جاء بها تامة وإلا زج في النار "، ومن كان في النار فهو فاسق.
لا يقال: الخبر آحادي.
لأنا نقول: قد ورد من الآيات والأحاديث ما يدل على معناه وهو فسق تارك الصلاة عمداً بلا عذر والله أعلم.(1/1364)
وأما الزكاة والحج فلا يتحقق كون الشخص تاركاً لهما إلا إذا مات ولم يوص بهما لأنهما واجبان غير مؤقتين، وإن كان وقت الزكاة عند الحصاد فهو يستمر إلى آخر العمر، فمتى مات ولم يخرج الزكاة أو لم يحج كان فاسقاً، ولعل القطع بفسقه إنما يتأتى مع الإصرار على الترك لا مع مجرد التساهل والنسيان والله أعلم.
قوله عليه السلام [ غير مستحل لتركه ولا مستخف، ] لأنه مع الاستحلال أو الاستخفاف يصير كافراً كما مر في فصل الإكفار لكن لا يلزم من حصول الكفر ارتفاع الفسق لأن الكافر فاسق وزيادة، وإنما ذكر ذلك ليشير إلى أنه مع الاستحلال للترك، وكذلك لفعل ما علم من الدين ضرورة تحريمه يصير كافراً، فإذا ترك الواجب أو فعل المحرم القطعيين مستحلاً أو مستخفاً كفر.(1/1365)