فصل في حقيقة الفاسق وما تجب من معاملته
قد تقدم في الفصل الثاني من هذا الباب أن صاحب الكبيرة يسمى فاسقاً ولا يسمى مؤمناً ولا كافراً ولا منافقاً، وأنه في النار خالداً مخلداً، وحكاية أقوال المخالفين في ذلك والرد عليهم، والمراد من هذا الفصل معرفة الفاسق حيث أطلق عند أهل علم الكلام باعتبار الحقيقة الشرعية الدينية، ومعرفة بعض المعاصي التي علم من الدين كبرها وأنها فسق وصاحبها فاسق، ومعرفة أحكام الفاسق.(1/1356)


التفسيق لا يجوز إلا بدليل قطعي
واعلم أولاً: أن التفسيق كالتكفير لا يجوز إلا بدليل قطعي سمعي ولا مجال للعقل ولا للقياس في إثبات أيهما به إلا إذا كان القياس قطعياً بأن كان من دلالة الفحوى أو كان جلياً بأن ينص الشارع على فسق من فعل معصية معينة وينص على علة الفسق بها، ثم نجد تلك العلة بذاتها في معصية أخرى من دون فرق، ومثاله تفسيق من قذف محصناً قياساً على تفسيق من قذف محصنة، وحينئذ فما ورد الشرع بمجرد تحريمه أو النهي عنه أو إيجابه أو الأمر بفعله، ثم خالف المكلف ذلك غير مستحل ولا مكره علم أن ذلك المخالف عاص آثم فقط، ولا يعلم كون تلك المعصية كفراً أو فسقاً إلا بدلالة قطعية سمعية زائدة على ما ثبت به التحريم أو الإيجاب، فإن وردت كذلك وجب الانقياد لها، وإن لم كان الفاعل عاصياً آثماً ولا يجوز تكفيره ولا تفسيقه، ولا يحكم بصغر معصيته لأنه لا أصل للمعاصي ترجع إليه عند الالتباس، وحينئذ فلا يسمى مؤمناً إلا بشرط عدم كبر معصيته عند الله تعالى، ويكون الدعاء له وموالاته ومحبته مشروط بالنية بالاستحقاق، وهو حيث علم الله أن تلك المعصية صغيرة مُكَفَّرَة في اجتناب الكبائر، وقلنا: غير مستحل ولا مكره، لأن المستحل لما علم من الدين ضرورة تحريمه كافرٌ كما مر، والمكره لا حكم لفعله مع الإكراه، فلا يكون لهما ما ذكرنا من الحكم في غيرهما، وقلنا: في علة القياس، ثم نجد تلك العلة بذاتها في معصية أخرى من غير فرق - أي من غير فرق في التغليظ والتخفيف ـ، والعلم والجهل، والضرورة والاختيار، وكثرة الطاعات وقلتها، وكثرة المعاصي وقلتها ونحو ذلك من أحوال فاعل المعصية المنصوص على فسق مرتكبها، وأحوال فاعل المعصية المقيس فسق مرتكبها عليها لأن المعصية الواحدة لا يمتنع أن تكون كبيرة من زيد صغيرة من عمرو باعتبار تلك الأحوال، فبالأولى المعصية المقيسة عليها، وحينئذ يبعد جداً صحة التفسيق بالقياس، وأما التكفير به فهو أقرب إلى(1/1357)


الإمكان لأن معه تبطل الطاعات أصلاً ولا تكون الصغيرة مغتفرة في حقه، ولا يرفع عنه الخطأ والنسيان وما استكره عليه على ما يفهم من الحديث والخطاب في الآية، لكن الأخذ بالمفهوم لا يعمل به في مسائل الاعتقاد، فلذا ذهب جمهور العدلية على رواية القلائد إلى أن هذه الثلاثة مرفوعة عن الكافر، ولا عبرة بالمفهوم من الحديث والآية سيما وهو مفهوم لقب وهو المناسب للقواعد، وذهب إلى: أنها غير مرفوعة عن الكافر لظاهر الحديث والآية، ومثال التكفير فالقياس تكفير من تولى الملاحدة والدهرية بالقياس على تكفير من تولى اليهود والنصارى المنصوص عليه في الكتاب العزيز.(1/1358)


من صفات الفاسق
قال عليه السلام [ فإن قيل فمن الفاسق ]، محتمل في أل للعهد الذكري الذي مر في قوله: فما تدين في أهل الكبائر، فقل أسميهم فساقاً، ويحتمل أن يكون لتعريف الجنس والماهية، [ وما حكمه ؟ ] في المعاملة، [ فقل: أما الفاسق فهو مرتكب الكبائر سوى الكفر، ] وإنما قال: سوى الكفر، لئلا يتوهم أن لا فاسق إلاَّ الكافر، وأن المراد بالكبائر ما كان كفراً، وليس ذلك مراداً به الاحتراز أن الكافر لا يكون فاسقاً بل هو فاسق وزيادة، لأن الفسق لمجرد ارتكاب أي كبيرة كانت، والكفر اسم لارتكاب كبيرة ورد الشرع بخروج صاحبها من الملة، وقد مر الكلام في حد الكبيرة والاختلاف فيه بما لا حاجة لإعادته، وقد علم مما مر أن المعاصي كفر وفسق وعصيان مطلق غير مقيد بكفر ولا فسق، ويعبر عنه بالملتبس بين الصغر والكبر، ويدل على صحة هذا التقسيم قوله تعالى: ?وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ?{الحجرات:7}، فأما الكفر فقد مر الكلام فيه وأنه أنواع متعددة، وأما الفسق فهو كذلك أنواع متعددة منها ما قد علم من الدين ضرورة أنه فسق وأن مرتكبه فاسق [ نحو الزاني، وشارب الخمر، والقاذف ] للمحصن وهو المؤمن ظاهر العفة عن الزنا ذكراً كان أو أنثى وسواء كان القاذف ذكراً أو أثنى.(1/1359)


[ و ] كذلك [ من فر من زحف المسلمين ] المحقين لا إذا كان في زحف الكفار أو البغاة،فالفرار من زحفهم قد يكون واجباً حيث يكون المقاتَل - بفتح التاء - مبغياً عليه، وكذا لو التبس الحال أيهما المبغي عليه وأيهما الباغي فالواجب على المؤمن التنحي عنهما معاً، والفرار إن كان قد خرج مع إحدى الفئتين إلا إذا كان في حضوره وقتاله صلاح للإسلام وتوهين لجانب الكفر أو البغي لم يجب عليه الفرار بل يحسن الثبات، ويجب إن كان يخشى ضرراً على المسلمين بفراره أو كان عن أمر الإمام فمن فر من زحف المسلمين [ غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة فسق، ] المتحرف للقتال: هو الكر بعد الفر، يخيل العدو أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو باب من خِداع الحرب ومكائده، والمتحيز: هو المنحاز إلى فئة إلى جماعة أخرى من المسلمين ذكره في الكشاف، وظاهره أن الفرار إلى تلك الفئة لا يكون فسقاً ولو كانوا فراراً، والأظهر أنه إنما يكون كذلك إذا كان في تلك الفئة ولي الأمر أو أمير الجند، أما إذا كان فرار الجميع إلى غير ذلك فظاهر قوله تعالى: ?وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ? الآية {الأنفال:16}، فسق الجميع إلى غير ذلك، ويمكن عدم فسق الجميع لظاهر قوله تعالى: ?أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ?، أي منضماً إلى جماعة، ولم يفصل بين أن يكونوا فراراً أو غير فرار، وإنما قلنا: إن الفرار إلى تلك الفئة لا يكون فسقاً إذا كان فيهم ولي الأمر أو أمير الجند، لما رواه في الكشاف عن ابن عمر قال: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا، فدخلوا البيوت، فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون، فقال: " بل أنتم العكارون وأنا فئتكم "، قال في الأزهار: أو متحيزاً إلى فئة ردءاً أو مَنعة وإن تعددت، قال في شرحه ضياء ذوي الأبصار: والردء: المركز الذي يتركه الزاحفون على العدو مستقيماً وراء ظهورهم ليردفهم إذا هزمهم العدو، والمنعة: المكان المتحصن الذي يمنع من العدو(1/1360)

272 / 311
ع
En
A+
A-