فالذي عليه الجمهور أنه لا يجوز تسميته منافقاً لأنه وإن كان النفاق في اللغة بمعنى الرياء وهو إظهار الخير وإبطان الشر، فقد صار باستعمال الشرع منقولاً عن ذلك إلى إظهار خير مخصوص وهو الإسلام، وإبطان شر مخصوص وهو الكفر، فلا يجوز أن يقال لمن يرائي بفعل الواجبات واجتناب المحرمات منافقاً خلافاً لما رواه في الأساس عن القاسم بن إبراهيم عليهما السلام واختاره الشارح ورواه عن زيد بن علي والناصر عليهم السلام، ولما يذهب إليه الحسن البصري ومن وافقه أن صاحب الكبيرة يقال له منافق مطلقاً، سواءً راءى بفعله أم لم يُراءِ، فهو أعم من قول القاسم ومن ذكر معه، وقد احتج شارح الأساس لما اختاره من قول القاسم ومن وافقه بأحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ثلاث من كن فيه فهو منافق: من إذا حدث كذب، ومن إذا ائتمن خان، ومن إذا وعد أخلف "، ونحو ذلك وهي محمولة عند الجمهور على أنه يشبه المنافق لما كانت هذه الخصال لا توجد غالباً إلا فيه لأنه لو كان منافقاً شرعاً لكان كافراً، ولا قائل به إلا الخوارج، ولعلهم إنما يجعلون كفره كفر تأويل، ولهذا لا يُجرون على الكافر الذي هو فاعل كبيرة من الأمة أحكام المشرك من تحريم الذبيحة والمناكحة والدفن في مقابر المسلمين، كما ذكره النجري عن الحاكم عنهم.(1/1351)


ولهم أن يجيبوا عن القاسم عليه السلام ومن معه أن صاحب الكبيرة المرائي يقال له منافق وتجري عليه أحكام المسلمين لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعامل المنافقين معاملة المسلمين، فلا دلالة في عدم معاملته معاملة الكفار على انتفاء النفاق عنه، وقد احتج الإمام المهدي عليه السلام للجمهور بإجماع الصحابة أن المنافق هو من أبطن الكفر وأظهر الإسلام، قال الشارح: ومعلوم أن الفاسق لا يبطن كفراً فكيف يكون منافقاً، قالا: وأيضاً المنافق يقدم على المعصية وهو مستحل لها غير خائف عقاباً من أجلها ولا تبعة بسببها، والفاسق ليس كذلك إذ الفاسق يفسق خائفاً من عقاب تلك الكبيرة التي أقدم عليها، وإنما يسوف التوبة أو يرجي المغفرة، فليس بمنافق قطعاً.
قلت: الاحتجاج الأخير قوي، وأما الأول فلا ينتهض لإفادة المطلوب لما اعترضه شارح الأساس بقوله: وأما الإجماع من الصحابة على أن المنافق من أبطن الكفر وأظهر الإسلام فهو مُسَلّم، فهل أجمعوا على أن غيره لا يسمى منافقاً الخ ما ذكره عليه السلام ، لكن ظاهر العبارة تفيد الحصر لأن تعريف الطرفين المسند والمسند إليه من مفيداته عند علماء البيان، لكن قد يخرج الحصر مخرج الأغلب أو الادعاء، فلا تنتهض الدلالة والله أعلم.(1/1352)


حكم الكافر
وأما حكم الكافر: فقد بين ذلك عليه السلام بقوله [ ومن كانت هذه حالته ]، يعني الاتصاف بخصلة من الخصال الكفرية التي مر تعدادها [ أعني غير المنافق، ] وكذلك الذمي والمعاهد [ جاز قتله وقتاله وحصره ] أي حبسه وإلقاء القبض عليه حتى يسلم أو يقتل إن لم ينقد للإسلام [ و ] يجوز أيضاً [ سباؤه ]، بأن يسبى أي يتملك هو وأولاده ذكورهم وإناثهم، ومنه سبايا أوطاس وبني المصطلق وغيرهم، [ وأخذ ماله، ] وظاهر كلامه عليه السلام أنه يجوز ذلك للإمام وغيره، وقد اختلف العلماء في ذلك، والأظهر والله أعلم أنه إن كان في الزمان إمام وكان ذلك الكافر في جهة ولايته لم يجز قتله ونحوه إلا بإذن الإمام، وإن كان في غير جهة ولايته وكان في ديار المسلمين ولم يكن له أمان من أحدهم ولو امرأة جاز لكل أحد قتله وسباؤه واسترقاقه إن كان ممن يسترق وأخذ ماله، وإن كان في ديار الكفر ودخلها المسلم بلا أمان من أحدهم جاز له ذلك، وإن كان بأمان لم يجز له ذلك، وقد ذكر الهادي إلى الحق عليه السلام أنه لا يجوز غزو الكفار إلى ديارهم إلا مع إمام حق أو بإذنه، لأن المعلوم أنه لم يكن أحد من المسلمين يغزوا في وقته صلى الله عليه وآله وسلم إلا بإذنه، وعن زيد بن علي والمؤيد بالله والفقهاء: يجوز قصدهم من غير إمام، وقال مالك: بل واجب في كل سنة، وقال الفريقان إنه مسنون فقط، وظاهر هذه الأقوال الإطلاق من غير فرق بين وجود الإمام أم لا، الهادي عليه السلام في المنع، وغيره في الجواز أو الوجوب أو الندب، والأظهر والله أعلم التفصيل، فإن كان في الزمان إمام وكان الغازي في جهة ولايته لم يجز إلا بإذنه، وإن أمر وجب قطعاً، وإن نهى حرم قطعاً، وإن لم يكن في الزمان إمام أو كان الغازي في ديار نائية عن الإمام جاز ذلك إذ لا حرمة للكافر ولا لماله إلا لعارض من ذمة لجنسه كمعطي الجزية من أهل الكتاب والعجم أو ذاته كالمعاهد أو نهي الإمام أو ما في حكمه وهو عدم الإذن(1/1353)


لمن هو في جهة ولايته، ويستثنى من ذلك من نهى الشرع عن قتله حال القتال كالصبي والمرأة والأعمى والمقعد والعبد والمتخلي للعبادة والشيخ الفان، فإن هؤلاء لا يجوز قتلهم إلا مقاتلاً أو ذا رأي، وأما الاسترقاق فالظاهر الجواز إلا العبد الآبق على سيده، وإنما استثنى الشارع هؤلاء السبعة لعجزهم عن القتال، واستثناء الصبي من الاستثناء المنقطع لأنه ليس كافراً في الحقيقة لكن له حكم الكافر إذا كان أبواه كافرين في أحكام الدنيا إلا القتل، وأما سَبْؤه فيجوز بلا إشكال لما في ذلك من المصلحة له وهو مصيره بين المسلمين، فيستفيد الإسلام وحقن دمه ونحو ذلك من المصالح له، قوله عليه السلام : وسباؤه يستثنى من ذلك المشرك العربي الذكر، فلا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف، وكذلك المرتد رجلاً كان أو امرأة لما علم من سيرته صلى الله عليه وآله وسلم أنه ما كان يسترق ذكور مشركي العرب البالغين ولا من ارتد عن دينه مطلقاً ذكراً أو أثنى عربياً أو عجمياً ذمياً كان أو غيره، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من ارتد عن دينه فاقتلوه "، [ وتجب معاملته بنقيض ما ذكرنا مما يجب من حق المؤمن، ] وقد مر أنه يجب إجلال المؤمن وتعظيمه واحترامه وتشميته وموالاته، ومر أيضاً أنه يحرم معاداة المؤمن وبغضه، فيقال في الكافر تجب معاداته وبغضه، ومر أنها تحظر قطيعة المؤمن وغيبته، فيقال في الكافر تجوز قطيعته وغيبته، أما القطيعة فإن فسرت بالهجر وعدم الصلة فلا إشكال في جواز ذلك، لكن قد يحسن عدم الهجر له وتحسن المواصلة بفعل البر والإحسان إلى الكافر المسالم والمجامل للمسلمين، وكذلك بصدقة النفل عليه إما لخصال فيه أو لقصد استجلاب قلبه إلى الإسلام، وقد قال تعالى: ?لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ o(1/1354)


إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ?{الممتحنة:8،9}، وإن فسرت بعدم الموالاة فهي واجبة لأن ذلك عام في كل كافر.
وأما الغيبة: فقد تقدم تحقيقها أن تذكر أخاك المؤمن بما يكره سواء كان فيه أم لم يكن فيه وسواء كان ينقصه في دينه أم لا على الصحيح، فينظر في غيبة الكافر هل تحرم أم لا ؟ ظاهر قوله تعالى: ?وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ?{الحجرات:12}، أنها لا تحرم في حق الكافر لأن المؤمنين إنما نهوا عن اغتياب بعضهم بعضاً، لكن ينبغي أن لا يكون ذلك بما ليس فيه كأن ينسب إليه خصلة يتبرأ منها نحو أن يصفه بالزنا والقتل والظلم للخلق وبخس الميزان أو المكيال أو نحو ذلك مما ليس فيه، ويكره نسبتها إليه لما في ذلك من الكذب والافتراء، وتجوز غيبته بأسماء الذم التي مر تعدادها من كونه فاسقاً وفاجراً إلى آخرها، وكذلك الأسماء المشتقة من أفعاله كما مر ومر أيضاً في حق المؤمن، قوله: ومضمون ذلك أن تحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، فيقال في الكافر العكس وهي أن تحب له ما تكره لنفسك، وتكره له ما تحب لنفسك وقد نبهنا أنه ليس على إطلاقه إذ لا يجوز أن تحب له الكفر ولا أن تكره له الإيمان كما مر تحقيق ذلك، قال عليه السلام [ وقد ذكرنا أحكامه ] أي الكافر [ في ثمرة الأفكار في أحكام الكفار ]، وإلى حد رقم هذا ولم أقف على هذا الكتاب من مؤلفاته، فالله المسؤول أن يوفق وييسر أسباب الاطلاع عليه إنه قريب مجيب.
I(1/1355)

271 / 311
ع
En
A+
A-