مسألة: في تكفير من رد أثراً معلوماً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
المسألة الثامنة: في تكفير من رد أثراً معلوماً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكره عليه السلام بقوله [ أو أثراً معلوماً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ] وينظر ما المراد بذلك، فإن الأثر المعلوم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالخبر المتواتر والمتلقى بالقبول لكونه لم يتواتر له أو لم يثبت له تلقي الأمة له بالقبول لم يكن ثمة وجه لتكفيره، وإن رده بعد أن ثبت تواتره عن الرواة أو تلقي الأمة له بالقبول عندهم فغايته المنازعة في التواتر والتلقي وإنكار ما يقوله الرواة من دعواهم التواتر أو التلقي، وإن أنكر الخبر بعد أن تواتر له عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد أن ثبت له تلقي الأمة له بالقبول، فغايته أن يكون إثماً وتكفيره يحتاج إلى دلالة قطعية اللهم إلا أن يريد عليه السلام أن الراد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما سمعه منه أو ثبت له بالتواتر أو التلقي حتى صار معلوماً عند الراد صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم رد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضمون معنى الخبر نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة "،وقوله: " صدقة الفطر واجبة على المرء المسلم يخرجها عن نفسه وعمن هو في عياله "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " فيما سقت السماء وأنبتت الأرض العشر "، استقام التكفير بذلك لأنه يكون تكذيباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولعله عليه السلام لا يريد إلا هذا المعنى وإن كان ظاهر العبارة الإطلاق.(1/1346)


مسألة: في تكفير من ردَّ ما علم من الدين ضرورة
المسألة التاسعة: في تكفير من رد ما علم من الدين ضرورة، وهو ما ذكره عليه السلام بقوله [ أو رَدّ ما علم من الدين ضرورة ] وقوله [ باضطرار، ] تأكيد لأن ما علم ضرورة هو المعلوم باضطرار، وهذا من قسم كفر التصريح، إن علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء بذلك وتيقنه من دينه صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، ثم رد وجوبه أو تحريمه تكذيباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو خالف مقتضاه بأن علم بخلافه مستحلاً لذلك، فإنه كفر صريح لتكذيبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع العلم اليقيني عنده أنه من دينه صلى الله عليه وآله وسلم فإن لم يعلم بأن كان قريب عهد بالإسلام أو من العوام الذين لم تبلغهم حكم تلك الحادثة فالأظهر عدم كفره، وإن كان ممن يمكنه النظر والعلم وترك ذلك حتى استحل ما هو محرم أو حرم ما هو حلال بضرورة الدين فهو كافر تأويل عند من قال بتكفيره، وقوله عليه السلام [ أو شك في شيء من ذلك، ] الإشارة إلى ما ذكر من التعداد من قوله: أو رد آية من كتاب الله فإن من شك في آية من كتاب الله تعالى سوى البسملة أو شك في الأثر المعلوم عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على الوجه الذي ذكرناه أو شك فيما علم من الدين ضرورة كفر، وقوله [ فهو كافر بالإجماع، ] يعود إلى جميع المسائل المعدودة من أول الفصل على ظاهر كلامه عليه السلام ، ولعله عليه السلام بناء منه على ما رواه عن الإمام أبي عبد الله الداعي من إجماع أهل البيت عليهم السلام على تكفير المجبرة، وأراد الإجماع الخاص وهو إجماع أهل البيت عليهم السلام،وأنكر صحة الرواية عن المؤيد بالله عليه السلام في عدم تكفيرهم، وأما خلاف الإمام يحيى عليه السلام والإمام شرف الدين عليه السلام ومن بعدهما في تكفير المجبر والمقلد فلم يكن ذلك إلا بعد عصر المؤلف عليه السلام ، ولهذا قال شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته على المختصر ما(1/1347)


لفظه: قوله: فهو كافر بالإجماع، ينبغي رده إلى من جحد آية أو ردها كما أفاده الإمام القاسم في الأساس، إذ الخلاف ثابت في بعض هذه المعدودة.(1/1348)


من أسماء وصفات الكافر
وأما الأسماء الثابتة في حق الكافر والصفات التي يجوز تسميته بها:
فقد بين عليه السلام ذلك بقوله [ ويجوز أن نسميه فاجراً وفاسقاً وطاغياً ومارقاً ومجرماً وظالماً وآثماً وغاشماً ونحو ذلك من الأسماء المشتقة من أفعاله ]. وذلك لأن هذه الأسماء كلها وإن كان لكل واحد منها معنى في أصل اللغة يخالف معنى الآخر، فقد صارت الجميع في العرف واستعمال الشرع أسماء ذم لكل ذي كبيرة، فيصبح إطلاقها على الكافر، وكذلك كل اسم ذم نحو: مسرف، وملعون، ومخذول.
وأما الأسماء المشتقة من أفعال لم يفعلها: كأن يقال له زان وسارق وشارب خمر ونحو ذلك فإنه لا يجوز تسميته بها لما فيها من الكذب والافتراء عليه، قوله عليه السلام [ بلا خلاف، ] يعني في جواز تلك الأسماء على الكافر لأنه قد انعقد الإجماع على تسميته كافراً، وما ذكر من تلك الأسماء ليست إلا دون إطلاق اسم الكافر على من اتصف بأي خصلة من تلك الخصال المذكورة فجواز إطلاق تلك الأسماء من باب الأولى، لأن تجويز الأغلظ يستلزم تجويز الأخف.(1/1349)


وأما قوله: ونحو ذلك من الأسماء المشتقة من أفعاله، فالمراد بذلك أن يقال لمن يعبد الوثن وثني، ولمن يقول التأثير للطبع أو النجم طبيعي ومنجم، ولمن يشرك بالله غيره في الإلهية أو في أفعاله المختص بها كالخلق والرزق والإحياء والإماتة أو في استحقاق العبادة مشرك، ولمن يقول بالتجسيم مجسم، ولمن يدين باليهودية أو النصرانية أو المجوسية يهودي أو نصراني أو مجوسي إلى غير ذلك من الأسماء الملاحظ فيها معنىً مخصوصاً، فإن ما هذا شأنه الأظهر أنه لا يجوز إطلاقه إلا على من اتصف بذلك المعنى لا على كل كافر، لأن هذه الأسماء ليست موضوعة لمجرد الذم وحده بل لإفادة معنى مخصوص من أنواع الكفر، فلا يطلق إلا على من اتصف بذلك المعنى، فلا يقال لليهودي وثني ولا للوثني يهودي ونحو ذلك لما في ذلك من الكذب والإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه، ولعل ذلك إجماع كما يفيده قوله بلا خلاف، [ وإن كان يظهر الإيمان ويبطن الكفر جاز أن نسميه مع ذلك: ] أي مع جواز تلك الأسماء المذكورة التي هي: كافر وفاجر إلى آخرها، ومع الاسم المختص به المشتق من فعله [ منافقاً بالإجماع، ] إذ لا خلاف أن من أظهر الإيمان وأبطن الكفر أنه منافق.
وإنما وقع الاختلاف فيمن أبطن الشر أي شر كان أعم من أن يكون كفراً أو غيره، أو أظهر الخير أي خير كان إيماناً أو غيره، هل يجوز أن يسمى منافقاً أم لا؟(1/1350)

270 / 311
ع
En
A+
A-