· وقولهم: يجوز إظهار المعجز على مدعي الربوبية والفراعنة والجبابرة دون من يدعي النبوة كاذباً، وذلك يقتضي التسوية في المرتبة بين الأنبياء والفراعنة والجبابرة فلا يلزم متابعة الأنبياء دون الفراعنة والجبابرة، ويلزم التحكم القبيح في جواز إظهار المعجز على النبي دون المتنبي مع أن الله تعالى ليس منهياً عن شيء إن كانت علة القبيح ليست غير النهي.
· وقولهم: بالإرجاء حيث أن منهم من يقطع بعدم عقاب أهل الكبائر، فيوافق قول من حكى الله عنهم ذلك ونسبه إلى غير الحق بقوله: ?يأخذون عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ ?{الأعراف:169}.
· ومنهم من يقول: بالخروج من النار، وذلك موافق لقول الكفار من أهل الكتاب: ?لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَات?{البقرة:80}.
· وقولهم: إن الإيمان شرعاً ليس إلا التصديق دون اجتناب المقبحات وفعل الواجبات، فأخرجوا الأعمال عن الإيمان، وذلك موافق لما ورد في ذم المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل.
· ومنهم: من يقصر التصديق على القلب دون اللسان، فأخرج الأقوال والأعمال عن الإيمان فكان أشد ضلالة وأبلغ جهالة وأكثر استحقاق للذنب.
· وقولهم: بثبوت الشفاعة للفساق من ناكحي الذكور ومرتكبي أنواع الفجور، وذلك يقتضي الإغراء بالكبائر، وأن لا قلق في فعل أي كبيرة من هذه الأمة.
· وقولهم: بتأخير الوصي عليه السلام والتفضل عليه، وذلك نبذ لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الوارد في الوصاية والولاية والتفضيل وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون مع تواتر ذلك عند الموالف والمخالف، وموافقة لأعداء الوصي عليه السلام معاوية اللعين وأتباعه والخوارج في إنكارهم للوصي عليه السلام هذه المرتبة.(1/1336)
· وقولهم: باجتهاد معاوية لعنه الله تعالى وأهل الجمل في قتال الوصي، وأن لهم أجر في ذلك مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له وللزهراء وللحسنين عليهم السلام: " أنا حرب لمن حاربكم "، وتشريكهم الإمامة بين جميع قريش أو جميع الأمة دون حصرها في الآل المطهرين، وذلك يقتضي جواز قتل الأئمة الهادين وأتباعهم إلى يوم الدين.
فانظر أيها الطالب الرشاد رحمك الله تعالى كم لهذه الفرقة الغوية من ضلالات توجب وهن الإسلام، وكم لأهل هذه العقائد الردية من مفاسد جلبت الكفر والضلال على من ضل عن السبيل من سائر الأنام، وقد علم بالاستقراء أن كل مجبر يجمع بين هذه المقالات الفاسدة والعقائد الردية الكاسدة فلا يبعد كفر من جمع هذه العقائد الكفرية والمقالات الفرية من هذه الأمة، غير أن الكفر لما كان اسماً شرعياً والحكم في ذلك إلى الله تعالى، ولسنا مفوضين أن نحكم على من لم ينص عليه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم نصاً جلياً متواتراً أنه كافر، فيحكم فيه بكفر أو عدمه مهما كان منتمياً إلى الإسلام ومتبرئاً عن غيره من الملل الكفرية ناطقاً بالشهادتين باذلاً وسعه وقاطعاً عمره في التحري على فعل الواجبات واجتناب المحرمات وطلب العلوم وإرشاد العوام، فنكل من هذا شأنه إلى الله تعالى، ونجري عليه حكم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله الله محمد رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله "، وقد حكى القرشي في المنهاج والإمام المهدي عليه السلام في الغايات مسائل ووجوهاً عديدة في تكفير المجبرة وكلها أو معظمها راجع إلى التكفير بالقياس أو اللازم، وقد مر الكلام أن التكفير بهما فيه ما فيه مما لا يثمر القطع في بعض الأحوال والصور، وقد أشرنا إلى معظمها في هذا البحث فلا نطيل الكلام في تعدادها، والاحتياج إلى جواب كل منها مع هذا الكلام الإجمالي الإقناعي.(1/1337)
ويدل على أن من قد تمسك بدين الإسلام ونطق بالشهادتين وتبرأ من سائر الأديان لا يجوز تكفيره، وإن قال قولاً يلزم منه الكفر ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "أنه مر هو وجماعة من أصحابه على قوم من الكفار عاكفون على شجرة يعظمونها ويعلقون عليها الحلي، فانصرف أناس من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم إليهم فشاهدوهم وأعجبهم ما رأوا من تجمعهم حولها ومن الرقص ونحوه، فسألوهم عن ذلك، فقالوا: هذه الشجرة نسميها ذات أَنْيَاط، فلما رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا رسول الله يا محمد اجعل لنا ذات أنياط، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أتقولون كما قال أصحاب موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون إلى قوله: قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين ".
فدل على أن من قد التزم ديناً وملة لا يصح الحكم عليه بخروجه عنه لما يقوله من الأقوال أو يفعله من الأفعال التي لا تجوز، وإن كانت تؤول إلى نفي ذلك الدين حتى يلتزم الخروج عنه أو يفعل ما دل الدليل القطعي أنه خروج عنه كقتل النبي وسبه واستحلال ما جاء به ضرورة، لذلك لم يحكم صلى الله عليه وآله وسلم بكفر الذين قالوا: اجعل لنا ذات أنياط، ولا كَفَّر موسى عليه السلام أصحابَه الذين قالوا: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، بل كل منهما نقم ذلك القول الصادر عمن آمن به ورده بأبلغ رد من دون تكفير ولا مطالبة بتجديد الإسلام ولا بشيء من الأحكام المتفرعة على الكفر الطاريء من فسخ نكاح أو نحو ذلك، ولو كان كفراً لما جاز له صلى الله عليه وآله وسلم ترك العمل بمقتضاه من فسخ النكاح أو المطالبة بتجديد الإسلام والبيان إلى سائر الحاضرين وإلى أولئك القائلين إن ذلك القول كفر وخروج عن دين الإسلام، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
لا يقال: هذا الدليل ظني لأن القصة غير متواترة.(1/1338)
لأنا نقول: الدليل يلزم من ادعى صحة التكفير بالتأويل لا من نفاه، وإنما ذكرنا هذه القصة استظهاراً على أن ما حكاه الله تعالى عن موسى عليه السلام قطعي، فيكون عمدة الدلالة لو سلم الاحتياج إلى الدليل من نفي التكفير بالتأويل.
فإن قيل: إذا لم تحكموا بكفر المجبرة وغيرهم من كفار التأويل لزمكم الحكم بأنهم مؤمنون، فحينئذ تجب موالاتهم ومحبتهم وقبول شهادتهم وغير ذلك من الأحكام اللازمة للمؤمن.
قلنا: لا يلزمنا الحكم بإيمانهم، لأن الإيمان هو الإتيان بالواجبات واجتناب المقبحات، وقولهم بالجبر ونحوه من أقبح المقبحات فلم يصدق عليهم حقيقة الإيمان ولا يلزمنا لهم ما يتفرع عليه من الأحكام المذكورة، ولسنا نعاديهم على حد معاداة الكافر من اعتقاد جواز قتلهم، وتحريم أكل ذبائحهم ومناكحتهم، وعدم التوارث بيننا وبينهم، بل حد معاداة الفاسق من البعض، وعدم قبول الشهادة وعدم صحة الصلاة خلفه أو عليه، والبراءة وجواز اللعن لكذبهم على الله تعالى، ومن ثمة قال الإمام عماد الدين عليه السلام وهو أشد الناس تحرزاً عن التكفير والتفسيق فقال عليه السلام في الشامل بعد أن ألزم المجبرة إبطال الأمر والنهي والمدح والذم وسد باب المجازاة بالثواب والعقاب وهدم قاعدة الشريعة والعمل بها وإفحام الرسل وإبطال البعثة لهم فقال عليه السلام بعد ذلك ما لفظه: وليس العجب من البُلْه وأهل البلادة من المجبرة، فلو سكت الجاهل لما اختلف الناس، وإنما العجب كل العجب من أهل الفطنة والكياسة منهم، كيف قالوا بمثل هذه الأقوال الرديئة ودانوا بمثل هذه المذاهب المنكرة، فتباً للجبر وسحقاً لأصحابه وقبحاً وترحاً لأتباعه وأربابه، كيف أضربوا عن التنزيل صفحاً وطووا عن إحراز محاسنه كشحاً، ذكره عنه في شفاء صدور الناس حكى ذلك في الإرشاد الهادي.(1/1339)
فانظر رحمك الله تعالى كيف لم يجز لهم ما يجب للمؤمن من الاحترام والإعظام، بل صرح بما هو ضد له ودال على عدم موالاتهم ومحبتهم بل يدل على البراءة منهم وجواز لعنهم كما ورد في السنة: " لعنهم الله على لسان سبعين نبياً "، وورد: " إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم ولا تفاتحوهم الكلام ولا تُقْرُوهم السلام " وقد مرت هذه الأحاديث وقد ذكر مخرجيها، فيجب إعمالها فيهم، وإن لم نقل بكفرهم، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقروهم السلام" - يعني ابتداء - وأما الرد فيجب لورود الأدلة الدالة على وجوبه من غير تفصيل، وقد قال تعالى: ?وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا?{النساء:86}، ولم يفصل.
فإن قيل: أفساق هم لديكم ؟
قلنا: لا نقطع بفسقهم إذ لو قطعنا بذلك لقطعنا بخلودهم في النار ولا دليل سمعي قطعي عليه، لكن نجري عليهم هذه الأحكام لورود السنة بذلك مع كونها أحكاماً فرعية اجتهادية، قوله عليه السلام [ أو يشك في شيء من ذلك، ]، يحتمل الإشارة إلى قوله أو اعتقد له شريكاً أو أنه يفعل الجور إلخ، فالشك فيما ذكر كفر، وفيما بعده على خلاف في ذلك، وقد عرفت مما مر الاختلاف في المجبر فالشاك في الجبر، بأن تردد بين قول العدلية أن أفعال العباد منهم وبين قول الجبرية أنها من الله تعالى وهو أبعد عن التكفير.(1/1340)