مسألة: في تكفير من أشرك بالله غيره في الإلهية
المسألة الرابعة: في تكفير من أشرك بالله تعالى غيره في الإلهية، وهو مِنْ كفر التصريح، وقد أشار إليه عليه السلام بقوله [ أو اعتقد له ] تعالى [ شريكاً ] في الإلهية أو في استحقاق العبودية أو قال بالتثليث أو اعتقد أن غيره تعالى موجود لذاته أو قادراً أو عالماً أو حياً لذاته لا بفعله تعالى أو أثبت مع الله قديماً مستقلاً أو اعتقد أن غيره تعالى يخلق ويرزق أو ينفع أو يضر بنفسه إلا إذا اعتقد أن الله سبحانه وتعالى يستجيب بالتوسل إليه بعباده الصالحين، وقد دخل في ذلك كفر من اتخذ الأصنام والأوثان أو الملائكة أو أحداً من البشر آلهة أو عبد غير الله تعالى، وكفر اليهود والنصارى بقولهم: عزير ابن الله، المسيح ابن الله. ومن أثبت له سبحانه وتعالى صاحبة أو ولداً، ومن اعتقد في الأصنام أو الأوثان أو النجوم الضر و النفع بنفوسهما فالكل كفر صريح ولا إشكال فيه.(1/1331)
مسألة: في تكفير المجبرة
المسألة الخامسة: في تكفير المجبرة وهم: كل من قال: إن الله تعالى خلق أفعال العباد وأرادها منهم وقضى بها وقدرها عليهم بمعنى: خلقها وأرادها لا بمعنى علمها وقدر أحكامها وكتبها، فالكفر يكون في إنكار ذلك كما يذهب إليه من قال: إن الأمر أُنُف، وإن الله تعالى لا يعلم الأشياء إلا عند حدوثها.
واعلم أن القائلين بأن الله تعالى خلق أفعال العباد وشاءها منهم فريقان:
أحدهما: المشركون الخارجون عن الدين من الأمم الماضية ومن عاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهم كما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله: ?وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ?{النحل:35}، ?وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ?{الزخرف:20}، ?سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ ?{الأنعام:148}، فهؤلاء كفار كفر تصريح لشركهم ثم قولهم بالجبر وأنه تعالى أراد منهم الشرك، وتحريم ما لم يحرمه كفر تصريح أيضاً، إذ لم يأخذوا ذلك عن شبهة قرآنية أو أحاديث نبوية أو تنزيه للباري تعالى عن أن يكون ثمة قادر فاعل غيره كما هو مقصد المجبرة من المسلمين حتى يقال فيه كفر تأويل، ولأنه لا مساغ لكفر التأويل إلا في فرق الإسلام.(1/1332)
الفريق الثاني: المجبرة من المسلمين: ست فرق وهم: الجُهمية،والكلابية، والأشعرية،والضرارية، والبَاقِلاَّنِيَّة، ومن يقول إن الله تعالى خلق شهوة في العبد موجبة للفعل لا يقدر عندها على الترك.
فالأربع الفرق الأُوَل يقولون: إن الله تعالى خلق نفس فعل العبد. ويختلفون في الكسب على حسب ما مر من تفاصيل مذاهبهم في فصل أفعال العباد، والفرقتان الآخرتان لا يقولون: إن الله تعالى خلق نفس فعل العبد، لكنه تعالى عند الباقلانية خلق القدرة الموجبة له، وعند الآخرين خلق الشهوة الموجبة له، ويتفقون الجميع على أن الله تعالى أراد فعل المعصية وشاءها من العبد وقضى بها وقدرها عليه من دون أن يفسروا القضاء والقدر بمعنى: العلم والكتابة، كما هو قول أهل العدل، وكفر هؤلاء جميعاً عند من كفرهم من باب كفر التأويل لا من باب كفر التصريح وإن كان صدوره عن المشركين من كفر التصريح، لأنهم قائلون به رداً على الرسل وتكذيباً لهم فيما بلغوهم من تحريم الشرك وتحريم ما أحل الله تعالى، بخلاف المجبرة من المسلمين فليست علتهم ذلك كما مر ذكره.(1/1333)
وقد أشار المؤلف عليه السلام إلى تكفير من ذهب إلى الجبر من هذه الأمة بقوله [ أو أنه ] تعالى [ يفعل الجَور أو أنه يفعل المعاصي أو يريدها، ]، وبتكفيرهم قال أكثر أئمة أهل البيت عليهم السلام كالقاسِمَين والهادي والناصر وأبو طالب والمنصور بالله وشارح الأساس وحكي عن من ذكر أنهم مصرحون بتكفيرهم،وهو قول الإمام المهدي عليه السلام وغيرهم من أئمة أهل البيت عليهم السلام، بل حكى الإمام أبو عبد الله الداعي عليه السلام إجماعهم على ذلك،وهو قول جمهور أتباعهم الزيدية وكثير من المعتزلة، وقال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام والإمام عز الدين والإمام شرف الدين حسبما حكى ذلك شيخنا رحمه الله تعالى عنهما عليهما السلام وغيرهم من متأخري الأئمة والزيدية وأبي الحسين وابن الملاحمي وابن شبيب من المعتزلة المجبرة مخطئون وليسوا بكفار، واختلفت الأقوال عن المؤيد بالله عليه السلام ، فحكى في شرح الأساس عن الأمير عليه السلام أنه صحح عنه تكفيرهم، ويفهم من عبارة المتن، وحكى القرشي والنجري وغيرهما عنه عليه السلام عدم إكفارهم،وهو المشهور عنه عليه السلام ، لكن يفهم من عبارة الأساس حيث قال: وفي قديم قَوْلَي المؤيد بالله عليه السلام : المجبرة عصاة وليسوا بكفار أنه رجع عنه والله أعلم.(1/1334)
أقوال المجبرة
واعلم أن المجبرة قاتلهم الله أشر هذه الأمة وأضرها على الإسلام وأهله، وقد جمعوا إلى الجبر ضلالات كثيرة وهي:
· القول بالمعاني القديمة، وذلك يشابه قول أهل العقول القديمة، والأفلاك القديمة، وقول الباطنية في إثبات السابق والتالي، ويشابه قول النصارى بالتثليث وزيادة.
· وقولهم: بالرؤية ويطلبون ذلك من الله تعالى، وذلك يشابه قول الذين قالوا أرنا الله جهرة، وإن اختلف وقت الرؤية فليس لاختلاف الوقت أثر في تصحيح ما هو باطل من الصفات الذاتية والمقتضاة.
· وقولهم: بخلق الأفعال قول المشركين كما مر تحقيقه.
· وقولهم في كل معصية: إنها مخلوقة وواقعة بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته، فيوافق ما ورد في الأحاديث التي وردت في ذم القدرية.
· وقولهم: يجوز أن يفعل الله تعالى ما هو قبيح في الشاهد ولا يقبح منه سبحانه، فيلزم تجويز الكذب في خبره تعالى فلا يوثق بنبوة نبي ولا خبره ولا صدق الكتاب الذي جاء به، ولا سبيل إلى القطع بصحته بشريعة الإسلام، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وأن شرعه ناسخ لما قبله، ولا سبيل إلى القطع بالبعث والمعاد وثبوت القيامة والجنة والنار، لأن الجبر بذلك كله لا يؤمن منه تعالى أن يكون بخلاف الواقع ولا يقبح منه تعالى لأنه غير منهي عن شيء.
· وقولهم: بنفي الحكمة، وذلك يشابه قول من يقول: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا.
· وقولهم: بقدم القرآن، وذلك موافق لما حكى الله تعالى عن الكفار: ?وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ?{الأحقاف:11}، فموافقتهم في القدم بالصراحة،وفي كونه إفكاً بالاقتضاء، لأنه إذا كان قديماً لم يكن من عند الله ولم يكن كلامه تعالى، لأن القديم لا ينسبه إلى أحد لاستغنائه في وجوده بنفسه فيكون القول بأنه من عند الله وأنه كلامه إفك مبين.(1/1335)