مسألة: في تكفير المقلدة
المسألة الثانية: في تكفير المُقَلِّدَة، وقد أشار عليه السلام بقوله: [ أو قَلَّدَ، ]، وفي المسألة طرفان:
أحدهما: أن يُقلد المبطل من كافر تصريح أو كافر تأويل، فإن قلد كافر التصريح فلا شك في كفره، وقد نطق الكتاب بذلك قال تعالى: ?وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنْ النَّارِ o قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ?{غافر:47،48}، وإن قلد كافر التأويل فيما لأجله كفر فللتابع حكم المتبوع، ويمكن أن يقال عليه إن كفر التأويل من حيث هو فيه ما فيه والله أعلم.
الطرف الثاني: أن يُقلد المُحِق، فقال شيخنا رحمه الله تعالى: روي عن القاسم والمؤيد بالله والإمام يحيى والإمام عز الدين والإمام شرف الدين وغيرهم، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأبي الحسين البصري وأبي الحسن الكرخي ومحمود ابن الملاحمي والرازي وأبي الحسن الأشعري وغيرهم: عدم إكفار المقلِّدة، وحكاه الإمام يحيى عليه السلام عن أكثر المتكلمين، وحكى في القلائد عن البصرية: أن المقلِّدَ في معرفة الله تعالى وصفاته وعدله وحكمته ونحو ذلك ليس بمؤمن بل كافر، لأن اعتقاده ليس علماً، وقيل هو مؤمن عندنا ولا ندري ما هو عند الله، وقال أبو القاسم: بل هو مؤمن قطعاً إن وافق الحق لحصول الاعتقاد، ولإجماع الصحابة على إيمان من دخل في الإسلام ناطقاً بالشهادتين من أجلاف العرب الذين لا يهتدون لتحرير دليل ولا حل شبهة.(1/1326)


والأظهر والله أعلم أن المقلِّد إن جزم بما يجب من معرفة الله تعالى وصفاته وعدله ونبوة نبيه حكم بإيمانه وإن لم يعرف الأدلة الموصلة إلى ذلك لأن المقصود منه قد حصل، وإن كان في شك فهو كافر، وإن رجح ذلك ولو استناداً إلى قول العالم لم يعلم وجه لتكفيره مهما كان ناطقاً بالشهادتين متبرئاً من سائر الأديان سوى دين الإسلام.(1/1327)


مسألة: في تكفير المجسمة
المسألة الثالثة: في تكفير المُجَسِّمَة الذين يعتقدون أن الله تعالى جسم ذو أعضاء وجوارح، وقد أشار عليه السلام بقوله [ أو اعتقد أنه ] تعالى جسم [ في مكان أو أنه ] تعالى أجسام متعددة أو جسم واحد [ في كل مكان، ]، وإنما قُدِّر ما ذكر من لفظ الجسم أو الأجسام ليخرج ما إذا اعتقد أن الله تعالى بكل مكان بمعنى: حافظ ومدبر، فذلك من كمال الإيمان كما مر، قال تعالى: ?وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ?{الحديد:4}، وقال تعالى: ?وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ?{ق:16}، ?مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ ولا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ? الآية{المجادلة:7}.(1/1328)


واعلم أن المجسم إما أن يفسر ويحقق قوله بالتجسيم بإثبات الجوارح والأعضاء والمكان والحلول فلا خلاف بين أهل البيت عليهم السلام والجمهور من غيرهم أنه كافر،وإما أن يتحاشى عن إثبات الجوارح والأعضاء، ويقول: هو جسم لا كالأجسام كما تقوله الكرامية أو يقول: إن لله تعالى يدين ووجهاً وعيناً ونحو ذلك مما ورد في الآيات المتشابهات والأحاديث ولا يجعلها أجساماً بل يبقيها على ظاهرها من دون تأويل ولا تجسيم كما هو دأب كثير من المتأخرين الذين ينسبون إلى السنة وهو قول جماعة من المحدثين ويزعمون أنه قول السلف الصالح، فقال الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام وأبو هاشم وغيرهما من الزيدية والمعتزلة: لا يُكَفِّر إذ لا موجب للتكفير إلا التشبيه وما هذا شأنه ليس بتشبيه وإن كان يلزمه، وأما إذا فسر وحقق التجسيم بإثبات الجوارح والمكان والحلول فليس يلزم منه التشبيه بل هو هو، ولهذا قال الإمام يحيى عليه السلام: المجسمة والمجبرة ليسوا بكفار إلا من أثبت الجوارح والأعضاء، قوله عليه السلام [ أو شك في ذلك، ] أي في نفي التجسيم بأن لم يقطع بأنه تعالى ليس بجسم ولا عرض بل بقي في شك فإنه يكون كافراً، وينظر في وجه تكفيره، وربما يعلل بأنه جاهل بالله تعالى والجهل بالله تعالى كفر.
فيقال: ليس كل جهل بالله تعالى كفر، بل إذا كان جهلاً لا يمكن معرفته تعالى معه، ومن هذا حاله يمكن معرفته بالله تعالى باعتقاد ثبوته تعالى وقدمه وكونه قادراً، عالماً، حياً، غنياً، واحداً، فقد عرفه تعالى معرفة يمتاز بها عن غيره، وإن كان شاكاً في نفي الجسمية فذلك لا يقدح في المعرفة إلا إذا اعتقد الجسمية وحققها بالأعضاء والجوارح.(1/1329)


دليله: أنه وقع الاختلاف بين الموحدين في مسائل من المعارف الإلهية بل بين الأئمة عليهم السلام نحو مسألة سميع بصير هل بمعنى عالم أو بمعنى حي لا آفة به، وكمسألة مدرك، وتفسير الإرادة في حقه تعالى، فكما أن من أخطأ الحق فيها لا يقتضي أنه جاهل بالله تعالى، فكذلك حكم مسألتنا.
ويمكن الجواب بالفرق بين ما ذكره السائل وبين هذه المسألة، بأن هذه المسألة قد دل عليها السمع بقوله تعالى: ?لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ? {الشورى:11}، ?فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا? {البقرة:22}، ?وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ? {الإخلاص:4}، فالشك في نفي التجسيم هو شك في مضمون مخبر هذه الآيات، ومن شك في مضمون ما أخبر به الله تعالى كفر والله أعلم.(1/1330)

266 / 311
ع
En
A+
A-