مسألة: من هو الكافر؟
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها لطالب الرشاد [ فمن الكافر ؟ ] وما يجب من حقه [ فقل: ] الكافر شرعاً: [ من لم يعلم له خالقاً، ] أو علم له خالقاً لكن اعتقد في الخالق اعتقاداً دل الشرع على أن ذلك الاعتقاد كفراً، وعصى الخالق عصياناً دل الشرع على أن ذلك العصيان كفر، فهذه الثلاثة الأقسام قد شملت جميع أنواع الكفر وملله الصريح منه والتأويل، ولما كان الكفر يثبت للمكلف بخصلة واحدة من خصاله عطف عليه السلام كل خصلة على ما قبلها بأو المفيدة للتنويع وعدم اشتراط الجمع، فمن اتصف بخصلة واحدة من خصال الكفر كفر بلا ريب، فإن جمع إليها غيرها من سائر خصال الكفر كان أشد كفراً.(1/1321)


مسألة: من هم المعطلة؟
المسألة الأولى: في تكفير المُعَطِّلَة وهم: كل من نفى الصانع عز وجل بأن لا يُثْبِت في العالم مُؤثِّراً أصلاً، وهذا لا قائل به إلا السوفسطائية النافون للحقائق، ويعبر عنهم بالتجاهلية، لكن اسم التجاهلية أعم لأنه يتناول ثلاث فرق:
السوفسطائية: وهم أشد الناس تجاهلاً وعناداً وجحداً للضرورات، إذ أنكروا وجود العالم فضلاً عن أن يكون له مُؤَثِّر.
والعَنَدِية: وهم فرقة يحسبون الأشياء على حسب ما هي عند المعتقد لها، فالعالم موجود بالنسبة إلى من يعتقد وجوده معدوم بالنسبة إلى من يعتقد عدمه، وهكذا في كل ما يتناوله الاعتقاد.
والسمنية: وهم فرقة يعتقدون أن لا معلوم إلا المشاهدات دون ما كان طريق العلم به الأخبار المتواترة أو الأدلة النظرية، ذكر معنى ذلك الإمام عز الدين بن الحسن عليهما السلام في المعراج شرح منهاج القرشي رحمه الله تعالى.(1/1322)


وقد أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى تكفير السوفسطائية ومن وافقهم في التعطيل من الفرقتين المذكورتين بقوله: من لم يعلم له خالقاً، وذلك بأن لا يُثْبِت للعالم مؤثراً أصلاً، ومثلهم في نفي الخالق من أقر بالمؤثر لكن يزعم أنه مُؤَثِّر بالإيجاب والذات لا بالاختيار وهم: الفلاسفة والدهرية والطبائعية والمنجمة، فالفلاسفة قالوا: المؤثر فيه علة قديمة، والدهرية: الدهر، والطبائعية: الطبع، والمنجمة: النجوم، وقالوا: العالم قديم غير مُحدَث لقدم المُؤَثِّر فيه، فأشار عليه السلام إلى تكفيرهم جميعاً بقوله [ أو لم يعلم شيئاً من صفاته التي يتميز بها عن غيره، ] كان حق العبارة أن يقال: أو جهل شيئاً من صفاته الخ، لئلا يلزم أن لا يكفر من علم شيئاً منها وجهل غيره من سائر صفاته تعالى ففي العبارة تسامح، قوله عليه السلام [ من كونه قادراً لذاته، عالماً لذاته، حياً لذاته، ] بيان للصفات التي يمتاز ويتميز بها عن غيره وهي كونه قادراً لذاته عالماً لذاته حياً لذاته، وقَيَّد هذه الثلاثة بكونها لذاته يحتمل أنه عليه السلام أراد بذلك بيان وجه الامتياز لأن غيره تعالى من الخلق الحيوان قادر حي، وقد يكون عالماً كالمكلف لكن لا لذاته بل لقدرة وحياة وعلم يخلقها الله تعالى لهم، وهذا المحمل لا بد من إرادته، ويحتمل أنه أراد معه الإشارة إلى تكفير من يقول: إنه تعالى قادر وعالم وحي لا لذاته بل لمعان قديمة هي القدرة والعلم والحياة وهي غيره كما يقوله الكُلاَّبِيَّة أو لا توصف بقدم ولا حدوث كما يقوله أو ليست إياه ولا غيره وهي قديمة كما تقوله الأشعرية، وتميزه سبحانه وتعالى عند هؤلاء بقدم هذه المعاني له تعالى وحدوثها لغيره أو بوجوبها له تعالى وجوازها لغيره أو بذاته سبحانه وتعالى أو بقدمه، فالاعتباران الأولان باطلان قطعاً، إذ لا ثبوت لتلك المعاني عند جميع العدلية لمنافاتها التوحيد ولزوم الحاجة إليها، والاعتباران الأخيران صحيحان،(1/1323)


وأشار عليه السلام بقوله [ ونحو ذلك من صفاته المتقدمة ] إلى سائر الصفات التي مر ذكرها في باب التوحيد من كونه قديماً، سميعاً، بصيرا،ً غنياً، لا يشبه الأشياء ولا يجوز عليه ما يجوز عليها، واحد في ذاته ولا ثاني له سبحانه وتعالى، [ فمن جَحَدَ شيئاً من ذلك أو شَكَّ ] فهو كافر.
أما الجاحد: فكفر صريح.
وأما الشاك: فينبغي أن يُفَصَّل فيه، فإما أن يكون قائلاً بالشهادتين وشك في كونه تعالى قادراً، عالماً، حياً، سميعاً، بصيراً، قديماً، غنيا،ً واحداً لا يشبه الأشياء، فالشك في ذلك كفر صريح أيضاً يعود على الشهادتين بالنقض والإبطال، ووجودهما كعدمهما بالنسبة إلى عدم الخروج بهما من الكفر، إذ من شرط الإيمان الإذعان والقطع بمضمون الشهادتين واعتقاد صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا لم يحصل مع الشاك لكن حيث قد نطق بالشهادتين وتبرأ من سائر الأديان سوى دين الإسلام فقد حقن بذلك دمه وماله، وليس حاله بأبلغ من حال المنافق الذي هو ناف لمضمون الشهادتين أو أحدهما، فيشمله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله تعالى "، وإن كان لا يشك أن الله تعالى قادر عالم حي الخ، لكن شك هل ذلك لذاته أو لمعان فلا ينبغي تكفيره ولا القطع عليه بإيمان ولا كفر، إذ من أثبت المعاني لم يكفر عند من قال بكفره إلا من باب إلزام أن يكون مع الله إلهاً آخر أو لا يكون واحداً في ذاته أو لزوم حدوثه.
وقد عرفت أن التكفير باللازم فيه ما فيه، فبالأولى من شك هل بمعاني أم لا فلا يجوز تكفيره من باب الأولى، ولا نقطع بعدم الكفر فيهما لما تقدم من جواز كفر لا نعلمه، وإن كان الشاك غير قائل بالشهادتين فكفر صريح.(1/1324)


وقد اختلف في تكفير من أثبت المعاني القديمة: فقال بعض العدلية: بكفرهم لإثباتهم مع الله قديماً، وقال بعضهم: لا قطع بكفرهم لأنهم لم يثبتوا قديماً مستقلاً لأنهم يجعلون تلك المعاني صفة له تعالى، فهو كما يقوله بعض المعتزلة في إثبات الصفات وجعلها أحوالاً.
فإن قالوا: الأحوال لا توصف بقدم ولا حدوث لأنها صفات والصفات لا توصف.
قيل: فكذلك المعاني عند بعضهم لا توصف، وقد حكى القرشي في المنهاج احتجاج من كَفَّر مثبتي المعاني من سبعة أوجه، وحكى ما اعترض به على كل وجه، حاصلها الجميع التكفير باللازم، وقد علمت ما فيه فلا نطيل الكلام بذكرها فلتؤخذ من هنالك والله أعلم.(1/1325)

265 / 311
ع
En
A+
A-