قال عليه السلام :وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " ولم يُفَصِّل.
يعني بين المسائل الاعتقادية وبين العملية، وللإجماع على أن من نكح امرأة في العدة جهلاً غير آثم مع أنه قد خالف ما علم من الدين ضرورة، فهذا تفصيل الخلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في كفر التأويل.(1/1316)
مسألة: في وجه الاختلاف في كفر التأويل
ولا بد في تتميم الفائدة وإكمال المسألة من ذكر بحث يتعلق بما ذكر من الخلاف في كفر التأويل لئلا يحصل الإشكال في بعض مسائل التكفير الآتية بالنظر إلى الأقوال المذكورة في هذه المسألة وتنزيلها عليها ورد فروع المسائل وإرجاعها إليها وهو:
أن يقال: قد قلتم: إن من استحل ما علم من الدين ضرورة كشرب الخمر والزنا ونكاح المحارم صار كافراً ولم يخالف فيه من نفى التكفير باللازم أو التأويل، وكذلك من أنكر وجوب الصلاة أو الزكاة أو نحو ذلك مما علم من الدين ضرورة تحريمه أو وجوبه وإن كان من أهل القبلة والصلاة، وكذلك من قتل نبياً أو سبه لا خلاف في كفره وإن كان من أهل القبلة، وليس هذا داخلاً في الجملة التي مر ذكرها وحصرتم كفر التصريح عليها، فكيف وقع الاختلاف في كفر التأويل والتكفير باللازم مع الاتفاق على اكفار من ذكرنا، ولم يكن معدوداً في جملة كفر التصريح التي مر ذكرها، فليس يخلو هذا الكلام عن الإشكال والتناقض ؟
والجواب والله الموفق للصواب: يؤخذ من كيفية دلالة اللفظ على ما دل عليه بالمنطوق، وقد قسم أهل الأصول دلالة اللفظ إلى ثلاثة أقسام: مُطَابقةٍ، وتضمنٍ، والتزامٍ:
فالأول: دلالة اللفظ على تمام ما وضع له من دون زيادة ولا نقص، كدلالة إنسان على الحيوان الناطق، وكدلالة الحيوان الناطق على الإنسان.
والثاني: دلالة اللفظ على بعض ما وضع له كدلالة الإنسان على الناطق أو على الحيوان، وكدلالة الكل على الجزء الداخل فيه.(1/1317)
والثالث: دلالة اللفظ على لازم ما وضع له كدلالة الإنسان على الضاحك، فالأولان من قسم الصريح الذي لا يحتمل اللفظ معنى غيره، الأول فيما وضع له، والثاني في بعض ما وضع له، ومثل ذلك لفظة عشرة فإنها تدل على الخمستين أو خمسة أزواج أو أربعتين ونصف بالمطابقة - يعني من دون زيادة ولا نقصان - ولا احتمال لغير ذلك، وتدل على التسعة فما دونها إلى الواحد بالتضمن، فمهما أقر مقر بعشرة دراهم علم أنه مقر بدرهم فما فوقه إلى التسعة بالتضمن وإلى العشرة بالمطابقة، والثالث ليس من قسم الصريح وإن كان من قبيل المنطوق فيعبر عنه باللازم، ثم إذا كان اللازم خاصاً بالملزوم لا يعدوه إلى غيره كدلالة ضاحك على الإنسان صار كالأولين في عدم احتمال غير الإنسان، وتصير دلالته قطعية وإن لم يكن خاصاً بالملزوم كدلالة ماش على الإنسان صارت الدلالة محتملة، لأن الماشي قد يكون غير إنسان كالفرس.(1/1318)
ومن هنا يظهر وجه الاختلاف في صحة التكفير باللازم من عدمه، وصحة كفر التأويل من عدمه، وسبب الاختلاف في كفر المجسمة والمجبرة والمرجئة والمطرفية والرافضة والخوارج والمقلدة، دون من رد ما علم من الدين ضرورة كإثبات المعاد ومن سب نبياً أو قتله أو استحل ما علم من الدين ضرورة تحريمه أو أنكر وجوب ما علم من الدين وجوبه ضرورة مع كون الكل من أهل القبلة ومن أهل الصلاة لا ينتمون إلى غير الإسلام، فمن لم يُكَفِّر المجسمة والمجبرة وغيرهما من السبع الفرق المذكورة نَظَرَ إلى أن ذلك تكفير باللازم، واللازم قد يتطرق إليه الاحتمال كما ذكرنا، وجعل تكفير من رد ما علم من الدين ضرورة ونحوه مما ذكر راجع إلى التكفير بالصريح لأنه داخل ضمناً في الجملة المذكورة إذ من جملتها تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل ما جاء به ضرورة، وأن قتل النبي وسبه كفر، وهذا لم يصدقه صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به أو فعل ما هو كفر وهو القتل أو السب للنبي، فيجب أن يكون كافر تصريح لا كافر تأويل ولا باللازم، ومن كَفَّرَهَم نَظَرَ إلى أن مقالاتهم التي تؤول إلى الكفر الصريح لأن القول بالتجسيم يؤول إلى القول بالتشبيه المذكور في تلك الجملة أن الله تعالى لا يشبه الأشياء ولا تشابهه، والقول بالجبر وأن الله خلق أفعال العباد وأرادها منهم مع ما فيها من الظلم والكذب والعبث وسائر القبائح يؤول إلى القول بنفي العدل والحكمة ووصفه بالظلم والكذب والعبث وسائر القبائح، ويلزم معه أنه ظالم وكاذب وعابث وفاعل قبيح لزوماً لا احتمال لعدمه ولا انفكاك عنه، وقد قدمنا أن اللزوم متى كان كذلك فدلالته قطعية، وهذا كله بناء على أن ما يؤول إلى الشيء أو يلزمه لزوماً غير منفك عنه فهو من الشيء.
والحق أنه ليس منه وإن آل إليه وإلا لزم أن النطفة إنسان وأن العصير خمر وأن الحيوان ميت لأُوِّلَ كل من هذه الأشياء إلى ما ذكر.(1/1319)
وإذ قد نجز الغرض مما يلزم تقديمه من المسائل المتعلقة بالتكفير على الجملة، فلنعد إلى شرح ألفاظ الكتاب وذكر مسائله مفصلة، وقد جمع المؤلف عليه السلام في هذا الفصل كفر التصريح وكفر التأويل وسنُنَبّه إن شاء الله تعالى على كل مما ذكره عليه السلام من أي القسمين هو، ونجعل لكل فرقة من فرق الكفر مسألة على حدتها وبحثاً مستقلاً ليكون الكلام أقرب إلى أخذ مطلوب الطالب.(1/1320)