قلت: الأظهر والله أعلم أنه لا ينبغي إطلاق القول في الجانبين، بل يمكن أن يكون في بعض الفسق ما عقابه أكثر من أدنى كفر كمن قتل النفوس وقطع السبيل وظلم الأيتام وبالغ في ارتكاب الفواحش وإن لم يأتي بخصلة كفرية، هذا وقد قال تعالى: ?وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ?{غافر:46}، وهذا يدل أنما ذكره الإمام الشرفي عليه السلام ليس على إطلاقه، وقال تعالى:?سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ?{البقرة:211}، وقال تعالى لما طلب حواريوا عيسى عليه السلام المائدة: ?إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ?{المائدة:115}، أي يكفر شكرها وإن لم يكفر صريحاً وهو الفاسق، وهذا يدل على أن ما ذكره أهل القول الأول ليس على إطلاقه، غير أن المعلوم أن الكفر على الجملة أكثر عقاباً من الفسق على الجملة.
وأما ما استدل به أهل القول الأول: بأن للكافر أحكاماً غليظة إذ تستباح به الأرواح والأموال وينفسخ به النكاح، فمعارض بأنه قد يكون في الفسق مثل ذلك كقتل القاتل عمداً ورجم الزاني المحصن وأخذ مال الباغي فيما أجلب به إلى المحطة وفسخ نكاح المتلاعنين وتحريم ميراث القاتل مورثه عمداً ونحو ذلك، ولأنه قد حكم عليه بما هو أشد من ذلك وهو نار جهنم نسأل الله السلامة.
مسألة: قال أئمتنا عليهم السلام وجمهور المعتزلة: ويصير المكلف كافراً بخصلة واحدة من خصال الكفر، ولا يصير مؤمناً بخصلة واحدة من خصال الإيمان.(1/1311)
قال النجري رحمه الله تعالى: فإن قيل: فما الفرق فإن المؤمن والكافر اسمي فاعل واسم الفاعل مشتق من فعله قل أو كثر كالضارب لمن فعل ضرباً ما، وقد جريتم على القياس في الكافر إذ سميتموه كافراً بخصلة واحدة، وخالفتموه في المؤمن إذ حكمتم أن لا يكون مؤمناً ولو فعل خصالاً كثيرة من الإيمان ؟ قال: والجواب: أن المؤمن والكافر وإن كانا في الأصل مشتقين لكنهما قد صارا في الشرع غير مشتقين بل اسمين لمن يتصف بصفات مخصوصة، فالمؤمن اسم لمن يستحق الثواب، والكافر لمن يستحق أعظم أنواع العقاب الخ ما ذكره.
وقال شارح الأساس عليه السلام : والحق أن ذلك إنما هو لعدم نقل تسمية الكافر دون المؤمن فتأمله انتهى.
قلت: وكلا الجوابين فيه نظر، أما الأول: فلإنكار اشتقاقهما، والمعلوم أن اسم الفاعل مشتق من فعله بضرورة القاعدة العربية فلا وجه لإنكار اشتقاقهما بعد النقل من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي، لكن يقال: هما مشتقان من المعنى الشرعي الذي نقل إليه اسم الإيمان واسم الكفر، فالإيمان نقل إلى الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، والكفر إلى معصية مخرجة من الملة،وهي جحد الباري تعالى أو الجهل به أو بشيء من صفاته التي يتميز بها عن غيره أو إثبات ثان له أو سبه أو تكذيب نبي له أو رد ما علم من الدين ضرورة، فأولاً كان المؤمن والكافر مشتقين من معناهما اللغوي وهو التصديق والتغطية ثم بعد النقل للإيمان والكفر إلى المعنى الشرعي صارا مشتقين منه،وهو ما ذكر فلا وجه لإنكار اشتقاقهما بعد النقل، لأنه يلزم عليه مؤمن من دون إيمان وكافر من دون كفر، لأنهما إذا لم يكونا مأخوذين من الإيمان والكفر صح ثبوتهما من دونهما إذ لا معنى للاشتقاق إلا الموافقة في الحروف واتحاد المعنى، فظهر ضعف ذلك الجواب ولعله يبنيه على القول بالموازنة مع أنها لا يستقيم على القول بها فتأمل.(1/1312)
وأما الجواب الثاني: فلما فيه من إنكار نقل حقيقة الكفر عن معناه اللغوي وهو التغطية أو الإخلال بالشكر، وقد علم أن الشارع قصره على تغطية مخصوصة وإخلال مخصوص وأنهما لم يبقيا على إطلاقهما في أصل اللغة وعرفها في كل تغطية أو إخلال بشكر، وإلا لزم أن من أنكر صنيعة أو معروفاً من أخيه المؤمن أو غيره أن يكون كافراً شرعاً لتغطيته إياها أو إخلاله بشكرها وذلك معلوم البطلان فتأمل.
وقد خالف بعض الخوارج فقالوا: بل يصير المكلف كافراً بفعل أي كبيرة كالزنا وشرب الخمر ونحو ذلك.
لنا: الإجماع على معاملة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده من الأئمة والخلفاء على عدم معاملة الزاني وشارب الخمر ونحوهما معاملة الكفار.(1/1313)
مسألة: في جملة أصول الدين
مسألة: اعلم أنه قد تقرر بضرورة الدين جملة لا يمكن أحد من المسلمين إنكارها ولم يخالف فيها أحد منهم وهي: أن العالم محدث، وأن له صانعاً، وأنه قادر، عالم، حي، سميع بصير، قديم، واحد لا ثاني له لا يشبه الأشياء ولا تشابهه، غني لا تجوز عليه الحاجة ولا صفات النقص، وأنه عدل حكيم لا يظلم ولا يفعل الكذب ولا العبث ولا السفاهة، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي صادق ورسول حق وجميع ما جاء به حق ثابت لا باطل ولا مرية فيه.
فهذه جملة أصول الدين ولا خلاف بين المسلمين في كفر من خالف شيء من هذه الجملة قولاً واعتقاداً، فلهذا لم يقع اشتباه ولا خلاف في كفر الفرق الخارجة عن الإسلام كالمعطلة والدهرية والفلاسفة واليهود والنصارى والمجوس وعباد الأصنام وسائر المشركين، وإنما وقع الاشتباه والاختلاف في كفر من خالف وأخطأ في شيء من سائر مسائل أصول الدين الآخرة خطأً يعود إلى نقض شيء مما ذكر في هذه الجملة وهو من أهل القبلة غير متدين بما عدا الإسلام وهو المعبر عنه بكافر التأويل، والأول يعبر عنه بكافر التصريح لأنه مصرح بالكفر وقائل به معتقد له بخلاف من أخطأ من هذه الأمة خطأً يؤول إليه وليس بمصرح به ولا قائل به ولا معتقد له، فتبين لك الفرق بين كفر التصريح وكفر التأويل، وبين كافر التصريح وكافر التأويل عند من قال به.(1/1314)
وقد اختلف في إثبات كفر التأويل على قولين، فقال به جمهور أئمتنا عليهم السلام وجمهور المعتزلة وقليل من أهل الجبر، ونفاه أبو حنيفة والشافعي وجمهور المجبرة مطلقاً على ما حكاه عنهم القرشي، وهو في القلائد عن أبي حنيفة، وفي شرحها للنجري عن أبي الحسين وابن الملاحمي والرازي والأشعري، قال: وبه قال الإمام يحيى وروي عن المؤيد بالله عليهما السلام، وحكى في الأساس عن الجاحظ وأبي مضر والرازي أنه معفو عن المخالف للحق الغير المعاند مطلقاً أي سواء خالف ما علم من الدين ضرورة أم لا، فيفهم منه أن المعاند لا يعفا عنه لكن ينظر هل يكفر أم لا عندهم، واختار عليه السلام تفصيلاً جيداً بأن قال: والحق أن المخطيء إن عاند فهو آثم، قال الشارح: مطلقاً، أي سواء خالف ما علم من الدين ضرورة أم لا، فالإثم واقع به لا محالة للخطأ عناداً، ولا دليل على كفره إن لم يخالف ما علم من الدين ضرورة، وإن خالف ما علم من الدين ضرورة فهو كافر لأنه مكذب لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك إن لم يعاند ولكن خطؤه مؤدياً إلى الجهل بالله تعالى كالمجسم عن شُبَه أخذها من ظواهر القرآن والأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه كافر عنده عليه السلام لأنه يعتقد التأثير ويعبد غير الله فصار كالوثنية والمنجمة والطبائعية، ولا خلاف في كفرهم مع نظرهم واجتهادهم، ولو فرض عدم عنادهم فهذا حاصل ما ذكره عليه السلام ، لكن ما ذكره عليه السلام في كفر المجسم من باب التكفير بالقياس على الوثنية والمنجمة وفيه ما فيه والله أعلم.
ثم قال عليه السلام : ومن أخطأ في غير ذلك بعد التحري في طلب الحق فمعفو عنه لقوله تعالى: ?وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ ?{الأحزاب:5}، ولم يُفَصِّل.
قلت: وتمام الاحتجاج على ذلك بقوله تعالى: ?وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ?{الأحزاب:5}.(1/1315)