فأقول: قال الإمام المهدي عليه السلام في غرر الفوائد شرح نكت الفرائد ما لفظه: فإن قلت: فإن لم أظن عقاباً، قلت: لا بد أن تظنه بأن تسمع واعظاً أو قاصاً أو ترى تهليك الأمم بعضها لبعض فتقول في نفسك لا نأمن أن يكون لك صانعاً صنعك ومدبراً دبرك إن أطعته أثابك وإن عصيته عاقبك أو نحواً من ذلك، فإن لم يحصل لك شيء منها فالواجب على الله تعالى ينول الخاطر، والنول: كلام خفي يلقيه الله تعالى في باطن سمعك أو في ناحية صدرك مثل ما قدمنا، وإلا كان تكليفه لنا كتكليف الساهي والنائم وذلك قبيح والله يتعالى عن فعله انتهى كلامه والمسك ختامه.(1/1301)
وأي ختام وبه يندفع الإشكال بأن يقال: المراد من الجهل الذي يتفرع عليه التكفير هو الجهل بالله تعالى بعد أن يخطر بالبال ما عنده يلزم التفكر في العالم ويحصل بحدوثه وإثبات الصانع وكمال صفاته فمتى خطر ذلك بالبال، ثم ترك النظر الموصل إلى العلم فهو جاهل بالله تعالى جهلاً يمكن معه المعرفة فيتناوله التكفير بالجهل المذكور،ومتى لم يخطر ذلك بباله حتى مات،وهذا لا يتأتى إلا فيمن لم يكمل عقله كالصبي والمجنون فيسقط التكليف عنه حينئذ، ولا يتأتى ذلك فيمن كمل عقله بأن أدرك علوم العقل العشرة وكان من أهل الدهاء والذكاء، فلا بد أن الله تعالى قد أنذره وأبلغه الحجة على أي وجه كان، ولو كما قال الإمام عليه السلام : فالواجب على الله تعالى أن ينول الخاطر الخ كلامه، وقد قال تعالى: ?وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ?{الإسراء:15}، ?وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ ?{فاطر:24}، ?وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ?{فاطر:37}، والنذير: يشمل الرسول وغيره من الأمارات التي يحصل بها الإنذار والتحذير، وحينئذ فيكون الخلاف بين الشيخين هو عند أن يخطر ببال المكلف ما عنده يلزم التفكر والنظر فلم يحصل التفكر والنظر، فقال أبو علي: هو تارك والترك فعل فيستحق العقاب عليه، وقال أبو هاشم: هو تارك أيضاً والترك ليس بفعل يستحق العقاب لأجله، ولكن يستحق العقاب للجهل مع التمكن، ولا خلاف بينهما في كفره، لكن خالف أبو علي أن العقاب هو على الجهل، ولعله إنما خالف في أن العقاب هو على الجهل لئلا يلزم تكفير وعقاب من جهل ذلك على خلاف الوجه المذكور بأن لم يخطر له الأمر على بال أصلاً، وقد قدمنا أن حصول ذلك لا يتأتى، وبهذا ينزاح الإشكال وإلى الله المصير وعليه الاتكال.(1/1302)
مسألة: في أدلة وقوع الكفر
مسألة: والذي يدل على أن الكفر يقع بأحد الوجوه الأربعة المذكورة أنه لا خلاف بين المسلمين في تكفير جميع الفرق الخارجة عن الإسلام، وهو أيضاً معلوم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، والخارج عن الإسلام لا يخرج عنه إلا بأحد الوجوه الأربعة أو اثنان منها أو أكثر، فلزم أن كل واحد منها كاف في حصول الكفر، لأن المكلف يصير كافراً بخصلة واحدة من خصال الكفر، فإذا كانت الخصلة الواحدة من خصال الكفر كفراً فبالأولى النوع الذي يدخل تلك الخصلة تحته، كالقول فإنه تعالى يقول: ?لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ?{المائدة:17}، وكذلك الاعتقاد المخالف لإثبات الصانع جل وعلا أو المقتضي إنكار شيء من صفاته الواجب له ككونه قادراً عالماً حياً قديماً أو مشابهته لخلقه أو اعتقاد كذب نبي أو نحو ذلك، فإنه أعظم من القول في اقتضائه الكفر، لأن القول إنما كان كفراً لدلالته على الاعتقاد الكفري بدليل أنه لا يكون كفراً من المكره والحاكي.
وأما الفعل: فالذي يدل على أنه يقع الكفر به إجماع المسلمين على كفر قاتل النبي عمداً بل من خرج عليه.
وأما الجهل بالله تعالى وما يجب له من الصفات والعدل وصدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كان مركباً كأن يعتقد نفيه تعالى أو ما يجب له من الصفات أو يضيف العالم أو شيئاً من أجرامه أو أعراضه الضرورية إلى غيره تعالى، فقد دخل في قسم الاعتقاد وإن كان بسيطاً بأن لم يعلم حدوث العالم ولا ثبوت الصانع ونبوة النبي مع التمكن من ذلك، فالذي يدل على كونه كفراً إجماع المسلمين على كفره وأنه خارج عن الإسلام.(1/1303)
مسألة: لا تكفير ولا تفسيق إلا بدليل قطعي
مسألة: ولا تكفير ولا تفسيق إلا بدليل قطعي لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، ولأن في التكفير إضراراً بالغير لما يلزم معه من المعاداة، وجواز السبي، والقتل للنفس، والإنتهاب للمال، وإحرام الميراث، وفسخ نكاح مختلفي الملة ونحو ذلك من الاضرارات، وأصل الضرر القبح عقلاً فلا يباح إلا بدلالة قطعية لا ظنية.
لا يقال: هذا منقوض بأنكم أوجبتم العمل بشاهدين على الكفر وبالإقامة في دار الكفر فحكمتم بكفر من شهد عليه بالكفر أو كان مقيماً في دار الكفر لا لعذر وكلاهما إنما يفيدان الظن بكفر المشهود عليه أو المقيم لا العلم.
لأنا نقول: قد دل الدليل القطعي على وجوب العمل بالشهادة والحكم بكفر من أقام في دار الكفر، فهو إثبات للإكفار بدلالة قطعية وإن كان إنما يتناول شخصاً معيناً بالظن كما في إثبات الحدود فإنها ثابتة بأدلة قطعية، وإن كان من أقيم عليه الحد إنما ثبت عليه بما يقتضي مجرد الظن وهو الشهادة أو الإقرار، وهذا فيمن لم يتميز حاله فتجري عليه أحكام الكفر، وأما المعاداة والبراءة منه فلا تجوز إلا مع القطع بكفره، ثم لا بد مع كون الدليل قطعياً أن يكون سمعياً، فلا يثبت التكفير والتفسيق بالعقل لأنه لا محال له في إدراك الأسماء والأحكام الشرعية إلا بواسطة الشرع وهو النص أو الإجماع على أن المعصية الفلانية كفر، قيل: والقياس القطعي وهو ما نُصَّ على علته، وثبوت العلة في الأصل والفرع قطعاً كأن ينص الشارع على كفر من كذب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تحريم الخمر بكونه كذبه فيقاس عليه من كذبه في تحريم الزنا، وهذا وإن كان في هذا المثال واضحاً جلياً فقد لا يطرد القياس كمن كذبه صلى الله عليه وآله وسلم في قوله:كل ذلك لم يكن، حين سلم على ركعتين، إذا اعتقد أن الخبر كذب لا إذا صرح بأن قال له صلى الله عليه وآله وسلم: كذبت، - يعني عمداً - فلا يبعد كفره والله أعلم.(1/1304)
التكفير باللازم والاستنباط
وأما التكفير باللازم والاستنباط، فهما أبعد من التكفير بالقياس الجلي لإمكان دفع اللزوم وتطرق الخطأ إلى الاستنباط، فلا يجوز التكفير بهما ما لم يكن اللزوم قطعياً لا يمكن دفعه كأن ينص الشارع على كفر من اعتقد مع الله تعالى ولداً، فيلزم منه تكفير من اعتقد معه صاحبة أو العكس.(1/1305)