وكلا الحدين باللازم فلا يكونان معرفين بالذات، فالأَوْلَى في حده أن يقال: هو جحد الصانع عز وجل أو شيء من صفاته التي يمتاز بها عن غيره أو الجهل بشيء من ذلك أو جحد واحد من أنبيائه أو رد ما علم من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، وقد دخل تحت هذا الحد كل كفر صريحاً كان أو تأويلاً عند من قال به ومن لم يقل به لا يتناوله الحد فهو حد صحيح جامع مانع على كل الأقوال، وسيأتي تفصيل ما يدخل تحت هذه الجملة من أنواع الكفر من كلام المؤلف عليه السلام وغيره عند الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى.(1/1296)
مسألة: في الكفر والشرك والنفاق
مسألة: الكفر والشرك والنفاق بالنظر إلى الحقيقة الدينية الجميع على سواء، لأن الكل كفر بالله تعالى خلافاً للأباظية من الخوارج فقالوا: الشرك غير الكفر، والمنافق كافر لا مشرك، والمشرك من أثبت مع الله شريكاً، والكافر من ارتكب أي كبيرة فهو أعم، وقلنا: بالنظر إلى الحقيقة الدينية، احتراز مما جرى به اصطلاح بعض الفقهاء من الفرق بين هذه المذكورة من أن المشرك لمن عدا الكتابي، والمنافق لمن أظهر الإسلام مع إبطانه الكفر، والكافر أعم منهما إذ يدخلان فيه مع دخول الكتابي كاليهودي والنصراني ومن رد ما علم من الدين ضرورة ممن ينتمي إلى الإسلام، فإن بعض أهل الشرع وهم علماء الفروع فرقوا بين هذه المذكورة لما يتعلق بكل منها من الأحكام التي لا تتعلق بغيره كما ذلك مذكور في كتب الفقه.(1/1297)
مسألة: في ما به يقع الكفر
مسألة: الكفر يكون على أربعة أضرب:
إما من قبيل الاعتقاد فقط، كاعتقاد الفلاسفة والدهرية والطبائعية والمنجمة قدم العالم وأن التأثيرات فيه من قبيل العلة أو الدهر أو الطبع أو النجم، وكاعتقاد إلهية غير الله تعالى، أو يكون من قبيل القول فقط، كأن ينطق المسلم بكلمة الكفر غير حاك ولا مضطر ولا مكره، أو يكون من قبيل الفعل فقط، كالسجود لغير الله تعالى وقتل النبي وتحريق المصحف وتخريب المساجد استخفافاً، وقولنا: استخفافاً، يعود إلى التحريق والتخريب لأنه مهما لم يكن كذلك لم يكن كفراً، بل قد يكون قربة كما لو قد وقع في المصحف تحريف لا يمكن مداركته ويقتضي الزيادة أو النقص أو الشك في آي القرآن، وكإخراب المسجد لإعادة عمارته المختلة أو توسيعه أو يكون من قبيل الجهل فقط وهو الخلو عما يجب معرفته مع التمكن كالعلم بحدوث العالم وإثبات صانعه عز وجل، وأنه قادر، وعالم، وحي قديم، لا يشبه الأشياء ولا تشبهه في ذاته ولا صفاته التي يمتاز بها عن غيره، وكالخلو عن معرفة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصدق المعاد في اليوم الآخر، وثبوت القيامة والجنة والنار، وأما الجهل بنبوة غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سائر الأنبياء عليهم السلام، وكذلك ما جاء به من الواجبات القطعية والمحرمات القطعية وما أخبر به من قصص الماضين وأحوال القيامة فلا تكون كفراً، وإنما يكون الكفر في رد ذلك أو الشك فيه بعد سماع النص الذي لا يحتمل خلاف ذلك وإلا لزم تكفير عوام المسلمين الذين لا معلومية لديهم بذلك، ولقوله تعالى: ?وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ?{النساء:164}، وقولنا: في كل واحد من الأربعة الأضرب فقط، إشارة إلى أن ذلك موجب للكفر سواء انضم إليه غيره من سائر الأضرب أم لا، وإشارة إلى خلاف من خالف في أي هذه الأضرب.(1/1298)
فقد خالف في الأول: الكرامية، فقالوا: لا كفر بفعل القلب وحده، لأن الإيمان عندهم الإقرار باللسان، فمهما حصل صار مؤمناً وإن اعتقد قدم العالم أو إلهية غير الله تعالى أو عزم على الكفر فلا يكون الكفر عندهم إلا باللسان، هكذا أطلق القول عنهم في القلائد، ولعل مرادهم أن لا كفر إلا بالقول ممن دخل في زمرة المسلمين لا نحو الفلاسفة واليهود والنصارى ونحوهم من سائر ملل الكفر، وبطلان ما قالوه معلوم لأن المنافق كافر بنص الكتاب وهو مقر بلسانه، ولأن المعلوم أن من اعتقد إلهاً مع الله تعالى فهو كافر وإن تبرأ من سائر الأديان ودان بدين الإسلام.
وخالف في الثاني: أبو هاشم وقال: القول وحده لا يدخله كفر وإنما يقع الكفر بما ينضم إليه من اعتقاد أو غيره، على ما حكاه عنه النجري، ولعله لا يقول ذلك إلا فيمن دخل في دين الإسلام فلا يكفر بقول كفري حتى يعتقده أو يفعل ما يدل على اعتقاده كالسجود لغير الله، فأما من كان خارجاً عن الإسلام فلا يخالف في كفره وإن لم يعتقد أو يفعل شيئاً من الأمور الكفرية.
وخالف في الثالث: الأشاعرة على ما حكاه النجري عنهم فقالوا: لا كفر بفعل الجوارح مهما كان القلب مصدقاً بالله ورسوله وما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، ولعل ذلك إلزام لهم لا تصريحاً منهم، فإن صح عنهم ذلك قلنا: السجود لغير الله تعالى كفر بلا ريب وإن لم يعتقد إلهيته.(1/1299)
وخالف في الرابع: أبو علي وقال: لا كفر بعدم العلم بالله تعالى وبنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما الكفر هو في ترك العلم بذلك، والترك عنده فعل يُكَفَّر به، وهو خلاف في العبارة محافظةً منه على أصله أن التروك أفعال وإن جهة أن لا يفعل المكلف شيئاً لا تكفي في استحقاق المكلف العقاب أو الثواب حتى يترك فيكون الترك فعلاً يستحق العقاب أو الثواب عليه، قال الإمام المهدي عليه السلام في الرد عليه: قلنا من لم يعرف الله تعالى مع التمكن من معرفته كفر إذ هو جهل بالله تعالى وهو كفر إجماعاً، قال النجري رحمه الله تعالى: واعلم أن أبا علي يوافق في كفره لكنه يعلقه بالترك لا بالنفي، وأبو هاشم بالنفي، فالاحتجاج عليه بمثل هذه الحجة قليل الجدوى، وإنما يبطل مذهبه بما ثبت من أن النفي يصلح جهة للاستحقاق.
قلت: وكلام النجري فيه نظر، لأنه يظهر ثمرة الخلاف بين الشيخين فيما إذا فرضنا شخصاً لم يخطر بباله حدوث العالم وثبوت صانعه بنفي ولا إثبات بل هو عن هذا الأمر مغرب، فأبو هاشم يحكم بكفره لجهله بالله تعالى وإن لم ينفه لأنْ لا يفعل جهة كافية، وأبو علي لا يحكم بكفره حتى يترك العلم ولا يتحقق الترك إلا بعد خطور المتروك بالبال فمتى خطر بباله أمكن تركه، لأن ترك ما لا يخطر بالبال مستحيل، وإلا لزم أنا تاركون كلما لا نعلمه وهذا لا يصح، وإنما الذي يصح أن يقال: لم نفعل ما لا نعلمه، وحينئذ تعرف أن احتجاج الإمام عليه السلام قوي لتناوله صورة المثال، لكن الحكم بالكفر على من هذا حاله مما يحتاج إلى دليل، لأن تكليف الغافل مستحيل من قبيل منافاة العدل والحكمة، وقد أشار الإمام عليه السلام إلى معنى هذا بقوله: مع التمكن، ولا تمكن إلا مع خطور الأمر بالبال، فلا بد من تحقيق الكلام في ذلك حتى ينزاح الإشكال.(1/1300)