ولعل هذا ليس على عمومه إذ لا يصح أن تكره للفاسق أو الكافر الإيمان ولا أن تحب له ما تكره لنفسك من الفسق والكفر، وإنما المراد ما تحب لنفسك من النصرة والتعظيم والثواب، وما تكره لنفسك من الخذلان والإهانة والعقاب، فأما المنافع الدنيوية من سعة الرزق والعافية ونحو ذلك، فقد اختلف في جواز إرادة ذلك للفاسق والكافر على أقوال أصحها إن كان لخصال خير فيه جاز وإلا فلا، وحينئذ فالعموم والإطلاق المذكورين في حدي الموالاة والمعاداة مختلفا المراد منها، ففي حد الموالاة للمؤمن هما على إطلاقهما ويتناولان جميع ما يجب من المنافع الدينية والدنيوية، وكذلك في حد المعاداة المحرمة في حق المؤمن في قوله [ وتحرم معاداته ] - أي المؤمن - هما على إطلاقهما يتناولان جميع ما يكره من المضار الدينية والدنيوية فتحرم معادات المؤمن، وهي: أن تحب له المضار على عمومها وتكره له المنافع على عمومها مهما لم تكن معها مفسدة، وفي حد الموالاة والمعاداة للفاسق أو الكافر ليس العموم على إطلاقه كما عرفت [ وبغضه، ] محرم أيضاً وهو الحقد عليه بالقلب، وإغضابه وهو إيقاعه فيما يغضب لأجله من الأذية، [ وتحظر قطيعته، وغيبته، ] من الحظر بالظاء المشالة بواحدة من أعلى أي تحرم، قال تعالى: ?وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ?{الإسراء:20}، والقطيعة: المقاطعة وهي الهجر وقطع السلام والمزاورة عداوة له، وإلا فليس ذلك بواجب حتى يكون تركه محظوراً، وأما الغيبة فهي محرمة من المحرمات القطعية وهي أن يذكره بما يكره، قيل بما لا ينقصه في دينه والأولى تبقيته على ظاهره، قوله: بما لا ينقصه في دينه، يعني يجعل ذلك ذريعة إلى ذم الإنسان وسبّه، والحال أنه لا ينقصه في دينه وذلك الغيبة، وقيل في حدها مما ينقصه في دينه يعني تذكره بما يقتضي تنقيصه في دينه، والحال أن ذلك كذب عليه، والسنة وردت بما يفيد المعنيين معاً، قال صلى الله عليه وآله وسلم: " أتدرون ما الغيبة ؟(1/1291)


قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إذا ذكرت أخاك بما يكره فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته "، أخرجه أبو الليث السمرقندي في تنبيه الغافلين عن أبي هريرة مرفوعاً، قوله: " فقد بهته " يعني: قلت فيه بهتاناً، قال أبو الليث: ولهذا قلنا: والأولى تبقيته على ظاهره.
قال عليه السلام : [ وهو إجماع أيضاً، ] أي كما وقع الإجماع على تسمية المؤمن بالأسماء المذكورة، وعلى وجوب موالاته فقد وقع الإجماع أيضاً على تحريم معاداته وبغضه وقطيعته وغيبته، ثم عقد عليه السلام ضابطاً لما يجب من حق المؤمن بقوله: [ ومضمون ذلك ] أي جميع ما ذكرنا من حق المؤمن يعود إلى وجوب موالاته وهي [ أن تحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك، ] حسبما مر تحقيقه، [ وبذلك ] أي وجوبه للمؤمن [ وردت السنة. ] على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، من ذلك ما أخرجه المرشد بالله عليه السلام في أماليه عن النعمان بن بشير قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " مثل المؤمنين في تواددهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه تداعى سائر الجسد بالسهر والحمى ".
وما أخرجه أيضاً عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أي عُرى الإيمان أظنه قال: أوثق ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: الموالاة في الله والمعاداة في الله والحب في الله والبغض في الله ".
وما أخرجه أيضاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تعادوا وكونوا عباد الله إخواناً ".
وما أخرجه أيضاً عن معاذ بن جبل رضي الله عنه: " إذا لقي المسلم أخاه فتبسم في وجهه تحاتت خطاياهما بينهما "، وهذا له حكم الرفع إذ لا يعرف اجتهاداً.(1/1292)


وما أخرجه أيضاً عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان "، والسنة مملوءة من ذلك وهو أصل عظيم من أصول الدين اللازمة على كل مؤمن لأخيه المؤمن نسأل الله التوفيق.
I(1/1293)


فصل في الكلام في حقيقة الكفر وأحكامه ومسائل التكفير وأقسامه
اعلم أن هذا الفصل من أهم ما يجب على المكلف معرفته، وقد مرت الإشارة إلى الوجه الذي لأجله يجب معرفة ذلك الفصل الذي قبله، وهو أنا تعبدنا بأحكام وأسماء تعلق بالكفار، منها ما يخصهم ومنها ما يعمهم هم والفساق، فوجبت معرفة حقيقة الكفر والخصال التي يثبت لأجلها من باب ما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه.
قيل: ولأن في معرفة ذلك لطفاً للمكلف، وما كان لطفاً وجب معرفته.
وفيه نظر لأن اللطف في العلم بالعقاب وقد مر الكلام عليه لا في معرفة المستحق له، ويمكن أن يقال: إن بمعرفة المستحق له يتمكن من التجنب لاستحقاقه والله أعلم.
وقبل شرح ألفاظ المختصر ينبغي تقديم مسائل تترتب معرفة مسائله عليها فلزم تقديمها:(1/1294)


مسألة: في الكفر
مسألة: الكفر في أصل اللغة: التغطية، ومنه سمي الليل المظلم كافراً، نص عليه الإمام زيد بن علي عليهما السلام في الغريب وأنشد:
في ليلة كفر النجومَ ظلامها
وقال آخر:
حتى إذا ألفت يداً في كافر .... وأجن غورات النفور ظلامها
وقال ثعلبة بن صُغير يذكر الظليم والنعامة وأنهما راحا إلى بيضهما وقد مالت الشمس يميناً:
فتذكرا ثقلاً رثيداً بعدما .... مالت ذُكَا يمينها في كافر
ومنه قوله تعالى: ?كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ?{الحديد:20}، ومنه سمي الكافور كافوراً لأنه يستر ما يكون على الميت من النتن، وقيل: للبحر كافراً لستره ما تحته، وقيل: للكفارة كفارة لسترها إثم الحنث، وتكفير الذنوب سترها بالعفو عنها لزيادة الحسنات أو التوبة.
وهو في عرف اللغة: الإخلال بالشكر، قال عنترة:
نُبِّئْتُ عَمراً غيرَ شَاكِرِ نِعْمَتِي .... والكفرُ مَخبثةٌ لنفسِ المُنْعِمِ
سمى الإخلال بشكر نعمته كفراً. واختلف في حقيقته شرعاً هل نقل عن معناه الأصلي والعرفي إلى معنى آخر مخصوص، أم هو باق في معناه اللغوي أو العرفي ؟ فأطلق على الكافر ذلك لما كان ساتراً للآيات والأدلة الدالة على الله تعالى وتوحيده وأنبيائه ونعمه أو لكونه مخلاً بشكر نعمه تعالى، فهو استعمال اللفظ في معناه اللغوي أو العرفي من دون نقل إلى معنى آخر شرعي كنقل الصلاة ونحوها، فذهب الجمهور إلى أنه قد نقل إلى معنى آخر شرعي وهو الصحيح كما سيأتي، وقال شارح الأساس قدس الله روحه: إنه لم ينقل عن معناه اللغوي العرفي بل هو باق فيه وهو الإخلال بالشكر، ونسب ذلك إلى من أجاز تسمية الفاسق كافر نعمة كالناصر عليه السلام وأتباعه.
ثم اختلف القائلون بالنقل، فقال الإمام القاسم بن محمد عليهما السلام في الأساس: إنه -أي الكفر- ارتكاب عصيانه تعالى مخرج لمرتكبه عن ملة الإسلام.
وقال الإمام المهدي عليه السلام : بل هو اسم لما يستحق عليه أعظم العقاب.(1/1295)

259 / 311
ع
En
A+
A-