ولنقبض الكلام يا هُمَام، فالسنة مملوءة مما يدل على أن الإيمان قد صار اسماً في الشرع لفعل الطاعات واجتناب المحرمات، ورأس الطاعات وروحها الذي تموت عند فقده هو: التصديق بالله عز وجل وجميع ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لكن ليس ذلك وحده هو الإيمان كما ذهب إليه الخصوم حتى يعدون الفساق من شراب الخمور ومرتكبي أنواع البغي والفجور في عداد المؤمنين الذين لا خوف عليهم من النار ولا هم يحزنون.(1/1286)
من أسماء المؤمن
نعم وإذا كان الإيمان قد صار حقيقة شرعية دينية في الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، فمن كان كذلك -أي أتى بالواجبات مجتنباً للمحرمات- [ فإنا نسميه ] ونطلق عليه جميع أسماء المدح والتعظيم من كونه [ مؤمناً، ومسلماً، ] بالمعنى الأخص وهو المرادف للإيمان لا بالمعنى الأعم وهو المقابل للكفر الذي يكون معناه الانقياد والاستسلام والتبري من سائر الأديان سوى دين الإسلام، لأن الإسلام في أصل اللغة هو الانقياد والاستسلام، قال تعالى: ?قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ?{الحجرات:14}، وفي الشرع له معنيان:
أحدهما: أعم: وهو المقابل للكفر، ويتناول كل من نطق بالشهادتين واتخذ الإسلام ديناً له وتبرأ من جميع الأديان سوى دين الإسلام، فإذا التزم ذلك صار مسلماً بالمعنى الأعم، ثم إذا أتى بالواجبات واجتنب المحرمات صار مؤمناً.
والثاني: أخص: وهو مرادف الإيمان، قال في الأساس: وكل على أصله - يعني في حقيقة الإيمان - فعندنا أنه الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، فمن كان كذلك يسمى مسلماً بالمعنى الأخص فهو بهذا المعنى اسم مدح مرادف للإيمان وهو المراد في المختصر.
والدليل على استعمال الإسلام في المعنيين:
أما الأول: فلأنه استعمال اللفظ في معناه اللغوي، والشرع ورد مقرراً له وهو الاستسلام والانقياد.(1/1287)
وأما الثاني: فلأنه من أسماء المدح والتعظيم، والفاسق لا يستحق مدحاً ولا تعظيماً، ولأنا وجدنا الشارع استعمله في مواضع لا يصلح لها إلا أن يكون بمعنى المؤمن، نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " المسلم من سلم الناس يده ولسانه "، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة "، بعد قيام الأدلة القاطعة أن الفاسق لا يدخلها إلا إذا تاب، ولقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام : ?وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ?{الأنعام:163} أي المنقادين الآتين بالواجبات المجتنبين المحرمات، وقوله تعالى: ?إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ ?{آل عمران:19}، ?وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ?{آل عمران:85}.
ومما يدل على استعماله ووروده في الشرع للمعنيين المذكورين أنا تعبدنا بأحكام وشرائع:
منها: ما يعم المؤمن والفاسق نحو قولنا: يشترط في الذابح الإسلام، ونحو: الصلاة والصوم واجبان على كل مسلم، وكثبوت المناكحة والموارثة والقبر في مقابر المسلمين.
ومنها: ما يخص المؤمن فقط نحو: تجب الصلاة على المسلم، ويجب غسله ومحبته وموالاته، إذ قد ثبت أن هذه الأحكام تخص المؤمن، [ و ] إن كان بالأولين خلاف، وكذلك يسمى:[ تَقِيَّاً وزكِيَّاً وَبَرَّاً وَوَلِيّاً وَصَالِحاً ] ودَيِّناً، ومُحْسِناً، وعَادِلاً، وفَاضِلاً، لأن هذه الأوصاف كلها أسماء مدح، وإن كانت معانيها في أصل اللغة مختلفة فقد صارت مرادفة لاسم المؤمن.
فالتقي: مأخوذ من التقية لما كان المؤمن يتقي العقاب بفعله الواجبات واجتنابه المحرمات قيل له متقٍ وتقياً، والمصدر التقوى كالرجوى.
والزكي: أي زائد الخير والطاعة مأخوذ من الزكاء وهو النماء.
والبَر: المطيع، قال شيخنا رحمه الله تعالى: مجازاً وحقيقته بر الوالدين.(1/1288)
قلت: الأظهر أنه فاعل الخير والإحسان، وقد ورد في أسماء الله تعالى أنا كنا ندعوه من قبل أنه هو البر الرحيم، ولا يستقيم تفسيره بالمطيع، وإنما معناه ما ذكرنا والله أعلم.
والولي: من يستحق الموالاة أي المحبة له وسيأتي تحقيقها.
والصالح: من صلاح الثمر إذا أينع وسلم الفساد.
والديِّن: من استعمل أمور الدين من المواضبة على الواجبات والتجنب عن المحرمات.
والمحُسِن: فاعل الإحسان.
والعَادل: فاعل العدل.
والفاضل: من فعل الخصال المقتضية للفضل أي الثواب والرفعة على من ليس كذلك.
فهذه الأسماء كلها قد صارت في استعمال الشارع وتعارف أهل الشرع أسماء مدح مرادفة للمؤمن [ وذلك إجماع، ] بين المسلمين وإن خالف منهم من أجاز تسمية الفاسق مؤمناً، فإنه لا خلاف أن هذه الأوصاف تطلق على المؤمن.(1/1289)
حقوق المؤمن
[ و ] أما ما يجب من حقه - أي الحق الواجب له ـ، فإنه [ يجب إجلاله، وتعظيمه ] هما بمعنى واحد وهو المحبة وعدم الاستهانة به والاستخفاف، [ و ] كذلك يجب [ احترامه ] أي احترام دمه وماله وعرضه بمعنى اعتقاد تحريم تناول شيء من ذلك [ وتشميته، ] إن قصد التشميت بمعنى التعظيم فذلك واجب، وإن قصد به تشميت العاطس فذلك ليس إلا مندوباً كما قرر في موضعه، فيكون الوجوب بمعنى الثبوت أي أن ذلك حق له ثابت، [ وموالاته، ] واجبة أيضاً بلا خلاف وهو أحد الأدلة الدالة على أن الفاسق لا يسمى مؤمناً، إذ لو سمي مؤمناً لوجبت موالاته، والإجماع منعقد على أنه لا يجوز مولاة الفاسق.
قال الإمام المهدي عليه السلام : المولاة أن تحب للمؤمن ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لها، والمعاداة نقيضها في المعنى والحكم، فيقال في حدها: أن تكره له ما تحب لنفسك، وتحب له ما تكره لنفسك.(1/1290)