يكره من جهة يحبها، ولا يسلم أنه أريد بها خلاف ظاهرها، وهذا محال في حق الله تعالى لأنه بكل شيء عليم، فالمراد يخادعون رسوله، لكن لما كان أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أمر الله تعالى أسندت المخادعة إليه عز وجل مجازاً، أو أطلق الإيمان في قوله: ?وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ?، وفي قوله: ?وَالَّذِينَ آمَنُوا ? ليفيد سلب الإيمان عنهم بجميع ركنيه، فبطل استدلال الخصم بهذه الآيات وجميع ما ماثلها في الكتاب أو السنة وهذا واضح.
وأما السنة:
فأحاديث كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي، وقد ذكر البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان منها شيئاً واسعاً، وكذلك مُسْلِم في كتاب الإيمان من صحيحه إلا أنه لم يحفل بها مثل البخاري جمعها وبوب لكل عمل من الأعمال الصالحات باباً أنه من الإيمان، وكذلك أئمتنا عليهم السلام جمعوا منها أحاديث كثيرة شهيرة كالمرشد بالله عليه السلام في أماليه، ولنتبرك بشطر منها حسبما سنح وبالله التوفيق:
أخرج ابن ماجه والطبراني عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان ".
وأخرج الشيرازي في الألقاب عن عائشة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الإيمان بالله: إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالأركان ".
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
وأخرج أحمد والبخاري والنسائي عن ابن عباس، عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يقتل حين يقتل وهو مؤمن ".(1/1281)
وأخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهْبَة ذات شرف يرفع الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن "، وزاد أحمد ومسلم: " ولا يغُل وهو مؤمن، فإياكم وإياكم ".
وأخرج أحمد وابن حبان في صحيحه عن أنس عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له "، ذكر هذه الجملة مولانا الحسين بن القاسم عليهما السلام وقال: فهذه تدل على أن فعل الطاعات واجتناب المقبحات من أركان الإيمان.
قال عليه السلام : وللقوم تأويلات للآيات والأخبار تخالف ظواهرها المتبادرة من إطلاقها. وجواب عام: وهو أنه في الأعمال مجاز والمجاز أولى من النقل وما ذكروه لازم لهم لأنهم يقولون الإيمان في اللغة: التصديق مطلقاً، وفي الشرع: تصديق خاص، وهذا منهم إقرار بأنه لم يبق على ما كان عليه في اللغة من الإطلاق انتهى كلامه والمسك ختامه.
وقال شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته على المختصر ما لفظه: ومن السنة: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الخبر عند الناطق بالحق والمرشد بالله من طرق وألفاظ.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: " الإيمان بضع وسبعون باباً أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " أخرجه الناصر للحق والناطق بالحق والموفق بالله، والمرشد بالله.(1/1282)
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: " قرآن في صلاة خير من قرآن في غير صلاة والقرآن أفضل من الذكر إلى قوله: والإيمان قول وعمل ولا قول ولا عمل إلا بالنية، ولا وقول ولا عمل ولا نية إلا بإصابة السنة " أخرجه محمد بن منصور في الذكر، والناصر للحق في البساط، والناطق بالحق، والمؤيد بالله في الشرح، والمرشد بالله عليهم السلام كلهم عن علي عليه السلام إلا المرشد بالله فعن أبي هريرة.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: " الإيمان عريان ولباسه الحياء ورأسه العلم وثمرته الفقه " أخرجه المرشد بالله.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: " الكذب مجانب للإيمان وإن العبد ليهبط إلى أسفل درك في النار بالكذب " أخرجه الناصر للحق والمرشد بالله.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: " ثلاث من كن فيه فهو منافق من إذا حدث كذب، ومن إذا أؤتمن خان، وإذا حلف فجر " أو كما قال، أخرجه الناصر للحق.
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له " أخرجه المرشد بالله.
ونحو ذلك كثير في كتب الآل الذين هم حفظة وحي ذي الجلال، ولا تعد كتب غيرهم إلا كسراب إل، ففيها محض الضلال انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
قلت: وفي حاشية القلائد للجلال أخرج الستة إلا القزويني من حديث سعد بن أبي وقاص قال: " قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسماً فقلنا: اعط فلاناً فإنه مؤمن، فقال: أو مسلم "، وغيره مما يطول تعداده انتهى يعني مما يفيد إثبات الإسلام دون الإيمان وهو موافق لما عليه أئمتنا عليهم السلام من أن الإيمان أخص والإسلام أعم وإن كان الإسلام يأتي لمعنيين:
أحدهما: أخص وهو بمعنى الإيمان، ومنه: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة"، المسلم من سلم الناس من يده ولسانه".
والثاني: أعم وهو تصديق القلب والمعرفة بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتبري من سائر الأديان، وهذا هو المراد في حديث سعد بن أبي وقاص.(1/1283)
وأخرج المرشد بالله عن عثمان بن حُنيف رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يقدم من مكة يدعو الناس إلى الإيمان بالله وتصديقاً به قولاً بلا عمل، والقبلة إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلينا نزلت الفرائض ونسخت المدينة مكة والقولَ فيها، ونسخ البيتُ الحرام بيتَ المقدس، فصار الإيمان قولاً وعملاً.
وأخرج أيضاً عن شريك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من زنى خرج منه الإيمان، ومن شرب الخمر غير مكره ولا مضطر خرج منه الإيمان، ومن انتهب نُهبَة يستشرفها الناس خرج منه الإيمان، فإن تاب تاب الله عليه عز وجل ".
وأخرج أيضاً عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الرجل لا يكون مؤمناً حتى يأمن جاره بوائقه يبيت وهو آمن من شره، إنما المؤمن الذي نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة ".
وأخرج أيضاً عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تزال شهادة أن لا إله إلا الله تحجر غضب الرب عز وجل عن الناس ما لم يبالوا ما ذهب من دينهم إذا صلحت لهم دنياهم، فإذا لم يبالوا ما ذهب من دينهم إذا صلحت لهم دنياهم، فإذا قالوها حينئذٍ، قيل لهم كذبتم لستم من أهلها ".
وأخرج أيضاً عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا إله إلا الله تمنع العباد من سخط الله ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم، فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم وقالوا لا إله إلا الله ردت عليهم، وقال الله: كذَّبتم ".
وأخرج البخاري ومسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".
وأخرج أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده "، وفي أخرى له عن أنس: " والناس أجمعين ".(1/1284)
وأخرج أيضاً عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".
وأخرج أيضاً عن ابن عباس قال: إن وفد عبد القيس لما أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: " من القوم ؟ إلى قوله: أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس "، قال القاضي عياض: لم يذكر الحج لأنه لم يفرض إلا في سنة تسع ووفادتهم في سنة ثمان، وقال غيره: بل اقتصر على ما يمكنهم فعله في الحال لأنه لا سبيل لهم إليه من أجل كفار مضر، أو لكونه على التراخي لأن الأرجح أنه فُرِض في سنة ست، وأخرجه أيضاً مسلم عن ابن عباس.
وأخرج مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون سنته ويقتدون بأمره، ثم أنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل ".
وأخرج أيضاً عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم ".(1/1285)