وبالجملة فمثل هذه الآيات لا يفهم فيها من لفظ المؤمن من مُنح الذوق السليم غير معناها اللغوي، ألا ترى إلى قوله: ?حقاً?، فهذه الآيات ونحوها من قبيل ?وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ?{البقرة:102}، ?وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ?{الأنفال:17}، وهو باب واسع في اللغة سميت به موارد الكتاب والسنة انتهى، وقد نقلنا كلامه بلفظه ليعلم المطلع تلجلج الباطل عند منطق الحق المبين، وتبلج وجه الهدى الحاصل عند انكشاف رونق الضلال الأفين.
وأنت خبير أيها المسترشد أنه لا محصول لهذا الكلام إلا صرف الآيات عن ظاهرها بل عن صرائحها، وهو إفادة الحصر الحقيقي وإرجاعه إلى الحصر الادعائي، وأنه من باب قولهم: هو الرجل كل الرجل، لا يراد أن غيره يسمى رجلاً.
فنقول له: نعم لا يراد أن غيره لا يسمى رجلاً، لكن ذلك للعلم الضروري من أن غيره يسمى رجلاً، فمن أين لك العلم الضروري أن غير من ذكر في الآيتين الكريمتين ونحوهما، قوله تعالى: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ?{النور:62}، يسمى مؤمناً ضرورة عقلية، ولو كان الأمر كما ذكر لصح أن يقال في قوله تعالى: ?إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ?{النساء:171}، ?إِنَّمَا إِلَهُكُمْ اللَّهُ ?{طه:98}، هو من باب الحصر الادعائي لا الحقيقي، ثم لو فرضنا صحة هذا التأويل وأنه من باب الحصر الادعائي، فأي عبارة تفيد الحصر الحقيقي لو أراد الله تعالى أن يخاطبنا به، وأن يحصر الإيمان الديني على من اتسم بما ذكر في تلك الآيات الكريمة.(1/1276)


واعجب من قوله: وبالجملة فمثل هذه الآيات لا يفهم فيها من لفظ المؤمن من منح الذوق السليم غير معناه اللغوي، ألا ترى إلى قوله: ?حقاً?.
فيقال له: إذاً فلم يرد الله سبحانه وتعالى بإنزال هذه الآيات إلا ليفهمنا ويعرفنا أن الإيمان معناه في اللغة: التصديق، أو أنه يستعمل شرعاً في معناه اللغوي وهو التصديق، والأول: معلوم البطلان حيث أنه تفهيم لما يعلم لدينا أنه التصديق من دون كتاب ونبي يخبرنا بهذه القضية، وحاشا كلام الله تعالى أن يرد للتعريف والتفهيم لهذا المعنى، والثاني: معلوم البطلان أيضاً من حيث أنه لا يصح أن يخاطبنا بأنه عز وجل لا يخالفنا أن الإيمان بمعنى التصديق وأنه عنده كذلك، ولو أراد هذا المعنى لما كان لذكر تلك الأوصاف فائدة، بل يكون ذكرها موهماً تعليق حصول الإيمان على حصولها، وليس هذا مراداً، فيكون الوجه في العبارة: إنما المؤمنون هم المصدقون تصديقاً مَّا لأنه معناه اللغوي، فأما الاستشهاد بقوله تعالى: ?وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ ? الخ ما ذكره، فمن واد والمسألة من واد آخر.
وأما قوله: والمراد أن هؤلاء هم المعتد بإيمانهم والمخصوصون بفضل الإيمان ورتبته العليا، إذ لم يَسُق مثل هذه الآية لبيان مدلول اللفظ حتى يكون حاصلها: أولئك هم المسمون بالمؤمنين كما لا يخفى.
فهو عليه لا له، وإذا كان لا يفهم منه إلا المعنى اللغوي كما زعمت أولاً كان قولك: إن هؤلاء المعتد بإيمانهم والمخصوصون بفضل الإيمان ورتبته رجوع عنه وتصديق بأنه لا اعتداد بإيمان أي تصديق غيرهم، وأنه لا ينال فضل الإيمان ورتبته العليا سواهم، اللهم إلا أن تجعل له رتبة سفلى ينالها الفاسق، فأتم برهان هذا التقسيم السقيم، وإلا فأرح نفسك عن استيلاد العقيم.(1/1277)


وقوله تعالى: ?قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ o الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ o وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ? {المؤمنون:1،2،3} الآيات، فبين تعالى أن المؤمنين هم الموصوفون بما ذكر في هذه الآيات.
واعترضه الجلال بأن الآيات إنما أفادت أن تلك الأوصاف صفات المؤمنين، وكونها أوصافاً لهم لا يقتضي أنها هي الإيمان.
قلنا: هذا إذا لم تكن الصفة كاشفة، أما إذا كانت الصفة كاشفة كأن تقول لمن أردت أن تذكر له حكم الخمر وماهيته: شراب الخمر الذي هو الشراب المعتصر من الشجرتين المزيل للعقل، فإن هذه الأوصاف التي حصلت بها ماهية الخمر، كذلك قوله تعالى: ?قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ o الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ ? الخ الآيات، وكما في قوله: الجسم هو الطويل العريض العميق الذي يشغل الحيز.
واعترضه السيد هاشم بأنه خلاف الغالب في اللغة من معنى الصفة، والغالب فيها إفادة التخصيص فيكون حجة للخصم.
قلنا: لا يسلم أنه الغالب، بل فائدة الصفة كما ذكره النحاة توضيح أو تخصيص أو ذم أو مدح أو نحو ذلك مما ذكروه من دون غالب، وإن سلم فلا مانع من حمل الآية على التوضيح، وإن كان التخصيص أكثر في الصفة، إذ لا يجب الحمل على الغالب عند الالتباس، أو قام دليل على منع غيره فهلم الدليل على منع غيره ؟
لا يقال: بل الدليل عليكم في مجيء الآية للتخصيص، وإنما أريد بها التوضيح.
لأنا نقول: قد قامت أدلة أُخر أن صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمناً شرعاً، وإنما المؤمن في الشرع: هو من فعل الواجبات واجتنب المحرمات، فيجب حمل هذه الآية على ما يوافق ذلك فيكون تقدير الآية: ?قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ?الإيمان الشرعي، وهم ?الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ? الخ.
قالوا: يلزم أن لا يكون مؤمناً من لم يخشع في الصلاة والمعلوم خلافه.(1/1278)


قلنا: الخشوع: هو سكون القلب وسكون الجوارح، فإذا لم تسكن جوارحه وفَعَل ما ينافي الصلاة كانت صلاته كلا صلاة، ثم إذا كان ذلك له خُلقاً وعادة كان في حكم قاطع الصلاة، فملتزم أن ليس بمؤمن، وقوله تعالى: ?يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ? مع قوله تعالى في المحاربين: ?ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?{البقرة:33}، والمعذب مخزى لقوله تعالى: ?إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ ?{آل عمران:192}، فعلم من الآية الأولى أن المؤمن ليس بمخزى، ومن الآخرتين أن الفاسق مخزى، وهو يستلزم أن الفاسق ليس بمؤمن وهو المطلوب، وقوله تعالى: ?فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ?{النساء:65}، نزلت في رجلين من الصحابة اختصموا في ماء لهما، أحدهما الزبير والآخر حاطب بن أبي بلتعة، فنفى سبحانه عنهم الإيمان وأكد نفيه بالقسم إن لم يحكما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويسلما لما حكم به مع كونهما مصدقين بالله ورسوله وما جاء به، وهذه الآية من أقوى الأدلة على ذلك.
قالوا: قال تعالى: ?وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا ?{التغابن:9}، وقال تعالى: ?إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ?{مريم:60}، ?إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ?{البروج:11}، ?وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ?{النساء:124}، ونحو ذلك من الآيات التي ذكر فيها الإيمان، وعطفت الأعمال الصالحات عليه، أو ذكرت فيها الأعمال الصالحات وعطف الإيمان عليها، أو جعل شرطاً في قبولها، وذلك يقتضي المغايرة لأن المعطوف غير المعطوف عليه، ولأن الشرط غير المشروط فيه.(1/1279)


قلنا: قد قامت الأدلة القاطعة بما مر وبما سيأتي أن إتيان الأعمال الصالحات وترك المحرمات داخلان في ماهية الإيمان وحقيقته شرعاً، فيجب حمل هذه الآيات وما شابهها مما عطف فيها الإيمان على الأعمال أو العكس، أو جعل أحدهما شرطاً في الآخر على وجه لا ينافي ما قامت الأدلة القاطعة عليه، وجرى عليه مذهب السلف الصالح برواية الخصم التي مر ذكرها، وذلك أنا نقول: لما كان المنافقون في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثيرين وهم كما حكى الله تعالى: ?وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ o يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا?{البقرة:8،9}، فكان المنافقون يخادعون بأن يظهروا الإيمان تارة بالقول مع مخالفة القلب وارتكاب الأعمال الخبيثة، وتارة بإظهار الأعمال الصالحات نفاقاً ورياءً مع مخالفة القلب، وارتكاب القبائح في البطنة، فأنزل الله تعالى هذه الآيات على مقتضى الحال من جعل أحد ركني الإيمان غير مُجْدٍ ولا عاصم من غضب الله تعالى وعذابه من دون الركن الآخر، وسواء أريد بالإيمان في هذه الآيات الإيمان اللغوي وهو التصديق، ثم عطفت الأعمال الصالحات عليه فيكون من عطف المتغاير، أو أريد به الإيمان الشرعي فيكون من عطف العام على الخاص أو الخاص على العام للتصريح، وقطع مشاغبة أهل العناد وأهل النفاق أن مجرد النطق بالإيمان أو مجرد إظهار العمل أو مجرد اعتقاد صحة ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس بكاف في حصول حقيقة الإيمان الشرعي لهم، واتصافهم به حتى يستكملوا الاعتقاد بالجَنان والقول باللسان والعمل بالأركان، ويدخل فيه ترك القبائح، ولهذا قال تعالى: ?وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ o يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ? أي يخادعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن الله تعالى لا يخادع، لأن الخداع إيتاء الشخص بما(1/1280)

256 / 311
ع
En
A+
A-