القول العاشر: قول الأشعرية: الإيمان: هو التصديق بالله فقط، هذه عبارة الأساس، وعبارة القلائد: هو التصديق بالقلب فقط، والفرق بين العبارتين من جهة أن التصديق في الأولى مطلق لم يفرق فيه بين أن يكون باللسان فقط أو القلب فقط أو بهما معاً، ولعله مرادهم دون الثانية، فهو مقيد بتصديق القلب إن إنضم إليه اللسان أم لا ومن جهة أن المتعلق بالأولى هو الله فقط، فظاهره وإن لم يصدق بالملائكة والكتب والرسل وما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولعلهم لا يقولون بذلك، وفي الثانية لم يذكر المتعلق ولعدم ذكره يحتمل أن مرادهم التصديق بجميع ما ذكر أو التصديق بالله فقط أو التصديق من حيث هو فيطلق المؤمن على أي مصدق كان، وقد حمله صاحب القلائد على هذا الوجه بدليل قوله: فيلزمهم أن الذمي مؤمناً كاليهودي والنصراني لأن كلاً منهما مصدق بالله وببعض أنبيائه ولا قائل به أصلاً.(1/1271)
قلت: ولعل هذا إنما هو على قول من يقول منهم إن الإيمان لم ينقل عن معناه اللغوي وهو مجرد التصديق أي تصديق مَّا كقوله تعالى: ?وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا?{يوسف:17}، ?وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ?{التوبة:61}، وأن الشارع أبقى حقيقة الإيمان الشرعي على معناه اللغوي كالبيع والإجارة ونحوهما مما لم يصر معناه شرعاً مخالفاً لمعناه لغة،وهو معلوم البطلان وإلا لزم أن جميع الكفار والمنافقين مؤمنون، إذ ما من أحد منهم إلا وهو مصدق بأي واقع مما يعلمه أو خوطب به، وقد مر أن المشهور من مذهب الأشعرية أن الإيمان باق في معناه اللغوي وهو التصديق لم ينقل عنه، لكنهم يقصرونه على التصديق بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، فإن كان هذا القصر باستعمال الشارع لزمهم أن قد نقل الإيمان عن معناه اللغوي وهو التصديق المطلق إلى تصديق خاص إذ ذلك حقيقة النقل، وإن كان لاستعمال الشارع فهي حقيقة عرفية خاصة لهم لا يوافقها الشرع، فيعلم بطلانها لما سنقرره إن شاء الله تعالى من الأدلة القطعية والبراهين النقلية أن الإيمان وإن كان في أصل اللغة لمجرد التصديق فقد صار بالنقل الشرعي خاصاً في الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، هذا وقد علم مما عدا الثلاثة الأقوال الأولة أن فعل الواجبات وترك جميع المحرمات خارجان عن الإيمان وأن الإيمان يثبت من دون ذلك.(1/1272)
الأدلة على أن الإيمان: الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات
إذا عرفت ذلك فالذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه وبطلان ما ذهب إليه المخالف العقل والنقل:
أما العقل: فمن وجوه:
أحدها: أن هذا الاسم - أعني اسم مؤمن أو اسم الإيمان - اسم مدح بلا ريب، ولو كان كما زعموا أنه لم يكن يفيد الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات لما أفاد المدح.
وقد اعترض هذا الجلال: أن المدح من حيثية التصديق بالله تعالى وما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا من حيثية تضمن الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات.
والجواب: أن التصديق بالله وما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من دون امتثال أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه لا يكفي في استحقاق المدح، بدليل أن من عرف صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يمتثل ما جاء به بل عانده صلى الله عليه وآله وسلم وجاهره بالعصيان استحق الذم والنكال، لأن مجرد معرفة ذات الشيء لا يقتضي المدح حتى يعمل بمقتضى المعرفة وينقاد لما يجب من حقها، كمن عرف السلطان وأقر له بالملك ولم يطع أوامره بل عانده وتمرد عليه وأساء إليه أو إلى أحد من رعيته ولم يرتدع عن شيء مما يؤذيه، فإنه بلا شك عدو له يستحق الذم والنكال ولا يستحق في مقابل تلك المعرفة مدح ولا إجلال.
الوجه الثاني: أن الإيمان لو لم يكن بمعنى الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات لصح أن يجامعه اسم الفاسق والفاجر والطاغي حيث يكون المصدق بالله تعالى وما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقترفاً للفسق والفجور والطغيان، وهذا وإن التزمه الخصم فهو باطل قطعاً لقوله تعالى: ?بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ?{الحجرات:11}، فأفادت الآية أن الفسوق لا يجامع الإيمان بل إذا طرأ الفسق رفع الإيمان وصار بعده في الوجود لا يجامعه البتة، ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث.(1/1273)
الوجه الثالث: أن الإيمان منج من عذاب الله تعالى وغضبه ولعنته قطعاً، وقد علمنا أن الله تعالى معذب أهل الكبائر غاضباً عليهم لاعناً لهم كما في آيات اللعان ?وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ o وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ ?{النور:7،9}، ولعن المحاربين وقاتلي النفس المؤمنة وناقضي العهود وتوعدهم أن لهم اللعنة وأن لهم سوء الدار وليس غير النار، فيلزمهم مؤمن في النار، وهذا لم يسمع به في شرع بني إسرائيل ولا في كتاب منزل بل ?وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?{التوبة:72}، ولا فوز لفاجر ولا طاغ ?وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ? {الانفطار:14}، ?فَأَمَّا مَنْ طَغَى o وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا o فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ?{النازعات:37،38،39}، نسأل الله التوفيق والهداية إلى واضح الطريق.
وأما النقل: فالكتاب، والسنة، وإجماع العترة عليهم السلام بل إجماع السلف كما مر نقل ذلك عنهم من كتب المخالف فضلاً عن الموالف.
أما الكتاب:(1/1274)
فقوله تعالى: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَاً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ o الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ o أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ?{الأنفال:2،3،4}، وسبحان الله ما هو السر العظيم والنكتة الجليلة في قوله: ?أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ?، فإنه أفاد التعظيم باسم الإشارة للبعيد إما لارتفاع درجته وسمو مرتبته كما في هذه الآية، وإما لبعد مكانه، ومثال ذلك ظاهر، ثم قوله: ?هُمْ الْمُؤْمِنُونَ ?، يفيد الحصر أن لا مؤمن سواهم، إذ لو كان غيرهم مؤمناً لقال: هم مؤمنون أو أولئك مؤمنون، ثم السر الباهر في الإيماء الجلي الظاهر بقوله: ?حقاً?، إشارة وإيماء إلى أنه سيختلف في حقيقة الإيمان ومن المؤمن على أقوال شتى ومذاهب لا تتأتى، وإنما الحق فيها هو هذا لا غيره والمؤمنون ومثل هذه الآية قوله تعالى: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ?{الحجرات:15}.
وقد اعترض استدلال الأصحاب بهذه الآية السيد هاشم بن يحيى الشامي بأنه من باب هو الرجل كل الرجل، أي انه المقيد به من بين الرجال، لا يراد أن غيره لا يسمى رجلاً، والمراد بأن هؤلاء هم المعتد بإيمانهم، والمخصوصون بفضل الإيمان ورتبته العلية، إذ لم يسق مثل هذه الآية لبيان مدلول اللفظ حتى يكون حاصلها أولئك هم المسمون بالمؤمنين كما لا يخفى، وكذا قوله تعالى: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ?.(1/1275)