وعمار، وأبو هريرة، وحذيفة، وعائشة وغيرهم، ومن التابعين: كعب الأحبار، وعروة، وطاووس، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، قال وروى اللالكائي أيضاً بسند صحيح عن البخاري قال: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص انتهى.
فاعجب لهؤلاء الأشعرية ينقلون مذهب السلف الصالح في حقيقة الإيمان ثم يخالفونهم فيه، وهذا الحد المذكور عن الأساس أوضح مما ذكره في القلائد عن أكثر المعتزلة من أن المؤمن: اسم لمن يستحق الثواب، والإيمان اسم لجميع الطاعات واجتناب المعاصي، لأن المخالف يقول: إن المؤمن على ما نُحِده يستحق الثواب فلا يكون الحد مانعاً وإن كان صحيحاً عندنا، وكذلك حد الإيمان بأنه اسم لجميع الطاعات يلزم عليه أن لا يسمى مؤمناً إلا من أتى بها أجمع، فتدخل النوافل وفروض الكفايات والتخيير وما وجد مانع من فعله لأن الكل طاعات، وإن قام البعض أو البدل في الكفاية والمخير أو وجد المانع كمن به مرض يمنع من استعمال الماء أو الصلاة من قيام.
لا يقال: فهذا وارد عليكم في قولكم: من أتى بالواجبات، لأن الكفاية والمخير داخلان في الواجبات.(1/1266)


لأنا نقول: إن الكفاية والمخير لا يوصفان بالوجوب بكل حال، بل بالنسبة إلى بعض الأحوال، وهو حيث لم يقم الغير بالكفاية أو لم يفعل المكلف ما هو بدله في الواجب المخير، ولا يستقيم هذا فيما ذكر من الحد الآخر لتأكيد الشمول بقوله: لجميع الطاعات، ومثل ما ذكره في القلائد ذكره القرشي رحمه الله في المنهاج، ولعل ذلك من المعتزلة ومن وافقهم على ذلك الحد من الأصحاب مبني على القول بالموازنة، لأن من زادت حسناته على سيئاته استحق الثواب ولو كانت الزيادة بسبب النوافل، وهذا وإن فرضنا صحته لكنه يعكر عليه حدهم الإيمان بأنه: اسم لجميع الطاعات واجتناب المعاصي، وزادوا فيه: واجتناب المكروهات: ليلاحظوا إدخال ثواب تركها في الموازنة، فلزمهم على ذلك أن يوجد المؤمن من دون أن يوجد منه الإيمان بأن يفعل من الطاعات واجبات ومندوبات وترك مكروهات ما يزيد ثوابه على عقاب معاصيه وإن أخل ببعض الواجبات أو ارتكب بعض المعاصي، فها هنا المؤمن موجود والإيمان مفقود لإخلاله ببعض الواجبات وارتكاب ما ارتكب من المعاصي.
ثم حكاية الإمامين قدس الله روحهما الحد الأول عن جمهور المعتزلة، والأخير عن أكثر المعتزلة، لا يخلو أحدهما عن نظر وتسامح بالنظر إلى ما بين الحدين من التفاوت الذي ذكرناه في المعنى وإن كان مراد الجميع إخراج صاحب الكبيرة عن الإيمان وعن كونه مؤمناً فتأمل.(1/1267)


هذا وقد جعل شارح الأساس ما ذكر فيه من حد الإيمان ثلاثة أقوال باعتبار الاختلاف بين أئمتنا عليهم السلام وجمهور المعتزلة، وبين الخوارج في حكم من لم يكن مؤمناً وهو مرتكب الكبيرة فهو عندهم كافر، وهذا لا يوجب التعداد في حد الإيمان وجَعْله بين من ذكر على ثلاثة أقوال لأنه قول واحد وهو: الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، وإن اختلف في صاحب الكبيرة فأمر وراء ذلك، ولعله عليه السلام في ذلك تابع تعداد النجري الأقوال حتى أنهاها إلى عشرة في حد الإيمان الشرعي وماهيته، والصحيح أن ليست إلا ثمانية لكن جريا على تحريرهما ولا مناشبة في مثل ذلك وزيادة في الفائدة نقول:
القول الثاني: قول البكرية، والفضلية من فرق الخوارج: هو المعرفة بما تجب معرفته والطاعة في كل ما أمر به أو نهى عنه، وأي خصلة أخل بها من ذلك بأن لم يعرف ما وجب أو فعل ما نُهي عنه أو ترك ما أُمر به فذلك كفر.(1/1268)


القول الثالث: قول الأزارقة، والصفرية من فرق الخوارج: الإيمان: اسم لجميع الطاعات وكلما ورد فيه وعيد من المعاصي فكفر، فإن لم يرد عليه وعيد فلا كفر، فهذا القول أخص من ما قبله وهو بناء على أن في المعاصي ما لا وعيد عليه وهو باطل هكذا قاله شارح الأساس والنجري رحمهما الله تعالى، وفي قولهما نظر لأنهم إن أرادوا بذلك إخراج صاحب الصغيرة عن التكفير فلا شك أن ذلك حق، وإن أرادوا إخراجه عن كونه متوعداً ففي ذلك خلاف، بل قد ذهبت البغدادية إلى: أنه لا يجوز العقاب عليها، وإن أرادوا أن في الكبائر ما لا وعيد عليه فمسلم بطلانه، لكن لا يتأتى أن هذا مرادهم إذ لا تصير المعصية كبيرة حتى يكون فيها الوعيد بالنار أو يكون فيها حد أو لفظ عظم أو كبر والله أعلم، وهذان القولان هما المرادان بقول الإمام عليه السلام : وبعض الخوارج، وهما في المعنى بالنظر إلى حد الإيمان راجعان إلى قول أئمتنا عليهم السلام: إنه الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، لكن فيهما زيادة التعرض لمن خالف وعصى، وقد أريناك أن هذا أمر وراء الكلام على نفس الإيمان، وأنه لا وجه لجعل هذين القولين في شأن العاصي موجباً للتعداد في حد الإيمان.
القول الرابع: قول النجدات من الخوارج هو: الإقرار بالله وبكتبه وبرسله وترك الفعل المحرم عقلاً، هذه عبارة الأساس، وعبارة القلائد هو: الإقرار باللسان والمعرفة بالله الخ، والفرق بينهما أن على مقتضى عبارة القلائد أن الإقرار باللسان وحده غير كاف حتى تضم إليه المعرفة بالقلب، بخلاف عبارة الأساس فظاهرها أن ذلك كاف والله أعلم.
القول الخامس: قول الكرامية من المجبرة هو: الإقرار باللسان فقط، قال في شرح الأساس: وظاهر قولهم أنه لا يشترط مطابقة اللسان للجنان، فيلزمهم أن المنافق مؤمن ولا قائل به، وأن لا يكون الأخرس مؤمناً وهو معلوم البطلان.(1/1269)


القول السادس: قول الجهمية من المجبرة وبشر المريسي من المعتزلة: بل هو المعرفة فقط من دون تصديق ولا عمل، قال في شرح الأساس: قلنا: فيلزم فيمن عرف بقلبه ولم يقر بلسانه أن يكون مؤمناً ولا قائل به.
قلت: ولهم أن يقولوا: مسلم ومنع أن لا قائل به، فالأولى في إبطال هذا القول أن يقال: فيلزم فيمن يرى المعجزات وعلم صدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يدخل في دينه ويتبرأ من سائر الأديان أن يكون مؤمناً ولا قائل به.
القول السابع: قول محمد بن شبيب من مرجئة المعتزلة: الإيمان: هو الإقرار بالله ورسوله باللسان - يعنى الشهادتين - والمعرفة بذلك بالجنان - يعنى لا يكون النطق بهما على جهة النفاق - والمعرفة بما نص عليه أو أجمع عليه لا ما استخرج بالنظر أو استنبط بالاجتهاد.
القول الثامن: قول الغيلانية أصحاب غيلان بن مسلم من مرجئة المعتزلة هو: الإقرار باللسان والمعرفة بالله تعالى بالجنان وبما جاء عن الله تعالى من الأحكام الشرعية والمعارف الدينية إذا كان مجمعاً عليه لا مختلفاً فيه فلا تشترط المعرفة به في الإيمان.
والفرق بين هذا القول والذي قبله: أن الذي قبله أن معرفة ما نص عليه لا بد منها في حصول الإيمان أجمع عليه أم لا، وعلى الثاني: لا إلا إذا أجمع عليه.
القول التاسع: قول الحنفية هو: الإقرار والمعرفة بذلك مطلقاً، قال في شرح الأساس: أي سواء كان مما نص أو أجمع عليه أو لا.
قلت: أما إذا لم ينص عليه فمن أين يثبت حكمه حتى يكون الإقرار به ومعرفته لابد منهما في حصول الإيمان، اللهم إلا أن يقال مرادهم بذلك ما تحصل معرفته بالقياس والاجتهاد استقام، ولعل هذا هو المراد، ولهذا قال النجري: القول السادس قول أهل الرأي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، لكن هذه المقالة في غاية البعد عن الصحة للزوم أن لا يكون مؤمناً إلا من عرف جميع المسائل المأخوذة من القياس أو الاجتهاد ولا حصر لها فبطلانه معلوم بلا ريب.(1/1270)

254 / 311
ع
En
A+
A-