مسألة: أقسام الحقيقة الشرعية
مسألة: لا خلاف في وقوع الحقيقة اللغوية والعرفية، واختلف في الشرعية، فالجمهور على إمكانها، وخالف من قال بين الألفاظ ومعانيها الموضوعة لها مناسبة ذاتية طبيعية لا تنفك عنها، وهم ومن معه، قال مولانا الحسين بن القاسم عليهما السلام في شرح الغاية: وبطلانه ظاهر، ثم اختلف القائلون بالإمكان فأطلق في الأساس عن أئمتنا عليهم السلام والجمهور من غيرهم أنها واقعة، وحكى عن الإسفرائيني وبعض المرجئة: عدم وقوعها وإن كان ممكناً عقلاً، فالصلاة والصوم ونحوهما لم ينقلهما الشارع عن معناهما اللغوي الذي هو الدعاء والإمساك، بل استعمال هذين اللفظين في هاتين العبادتين من تسمية الكل باسم الجزء، إذ لا بد في الصلاة من الدعاء وفي الصوم من الإمساك.
قلنا: لا ينصرف الذهن عند إطلاق هاذين الاسمين إلا إلى هاتين العبادتين وذلك دليل الحقيقة.
قالوا: بتعارف أهل الشرع لا بنقل الشارع وهو الله تعالى فهي عرفية خاصة لا شرعية إلا مجازاً.
قلنا: لو كانا مجازاً لافتقرا إلى القرينة الدالة على التجوز، ولا قرينة في قوله تعالى: ?أَقِيمُوا الصَّلاةَ ?، ?كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ ?، فيلزم أن المراد بذلك الدعاء والإمساك دون هاتين العبادتين المعروفتين.
ثم لا يخفاك أيها المسترشد أن إنكار هؤلاء للحقيقة الشرعية بأصلها أحد مقدمات الإرجاء لئلا يقولوا: إن الإيمان قد نقل عن معناه الأصلي وهو التصديق إلى معنى آخر وهو الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، ولما كان إنكارهم الحقيقة الشرعية من أصلها معلوم البطلان لم يساعدهم بقية المرجئة إلى ذلك، فاختلفوا بعد تسليم الحقيقة الشرعية في ذات بينهم على حسب ما سيأتي في المسألة الآتية، كل ذهب إلى مقال يريد الانفصال به عن لزوم القول بخلود الفساق في النار، وأن صاحب الكبيرة لا يسمى فاسقاً بل يسمى مؤمناً على زعمهم.
مسألة: وتنقسم الشرعية إلى قسمين:(1/1261)
دينية وهي: ما نقله الشارع إلى أصول الدين كالنبي، والإمام، والمؤمن، والمسلم، والكافر، والمنافق، والفاسق، وكذلك المعاني المشتق هذه الأسماء منها كالنبوة، والإمامة، والإيمان إلى آخرها.
وفرعية: وهي ما نقله إلى فروع الدين كالوضوء، والصلاة، والصوم، والحج وكالنكاح، والطلاق، والحدود وغير ذلك مما يطول تعداده، قال سيدي الحسين بن القاسم عليهما السلام: واعلم أنه لا نزاع في أن الألفاظ المتداولة على لسان أهل الشرع المستعملة في غير معانيها اللغوية قد صارت حقائق فيها، إنما النزاع في أن ذلك هل بوضع الشارع وتعيينه إياها بحيث تدل على تلك المعاني بلا قرينة فتكون حقائق شرعية أو بغلبتها في تلك المعاني في لسان أهل الشرع، والشارع إنما استعملها فيها مجازاً بمعونة القرائن فتكون حقائق عرفية خاصة لا شرعية، وهو مذهب القاضي الباقلاني، فإذا وقعت مجردة عن القرائن في كلام أهل الكلام والفقه والأصول ومن يخاطب باصطلاحهم يحمل على المعاني الشرعية وفاقاً، وأما في كلام الشارع فتحمل عليها عندنا، وعلى معانيها اللغوية عند الباقلاني انتهى كلامه والمسك ختامه.(1/1262)
وقد عرفت بهذا أيها المسترشد أنه لا مجال للمرجئة أو بعضهم إلى إنكار الحقائق الشرعية من حيث هي، بل ذلك مجمع عليه بين علماء الإسلام لكن بعضهم ينكر أن ذلك الوضع الحقيقي من جهة الشارع وهو الله تعالى بل من جهة أهل الشرع يعني المتلقون للشرع، ويجري ذلك الإنكار ويطلقه في كلا الدينية والفرعية كالباقلاني ومن معه، وبعضهم ينكر ذلك في الدينية فقط، ذكره في الأساس عن الشيرازي وابن الحاجب، وفي شرحه عن الجويني وغيرهم، وفي شرح الغاية عن جمع الجوامع ما يفيد: أن الشيرازي وابن الحاجب والجويني لم يفرقوا بين الدينية والفرعية وأنهما معاً واقعتان، وأن لا خلاف بيننا وبينهم، قال: واعلم أنها اختلفت الكتب في نقل المذاهب في هذه المسألة إلى آخر ما ذكره، وتوقف الآمدي في الوقوع وعدمه لتعارض الأدلة عنده فلم يختر شيئاً ذكره في الغاية وشرحها.
قلت: المشهور عن مذهب الأشعرية أنهم يقولون: إن الإيمان باق في معناه اللغوي وهو التصديق لم ينقل عنه، فيحمل أنهم إنما يخالفون في نقل الإيمان فقط دون سائر الحقائق الدينية كالنبي والإمام والفاسق والكافر إذ لا غرض لهم في إنكار نقل أي هذه ولا غيرها من الحقائق الدينية، وإلا لزمهم أن كل من أنبأ عن شيء سمي نبياً حقيقة، وأن الله تعالى لم يسمي النبي نبياً إلا مجازاً.
لا يقال: أما الأول فوارد على الجميع لغة، وأما الثاني فممنوع لأنه استعمل اللفظ في معناه الحقيقي فهو صلى الله عليه وآله وسلم نبي حقيقة لأنه منبيء عن شرع الله تعالى.(1/1263)
لأنا نقول: إذا أنكرتم النقل من الحقيقة اللغوية إلى الدينية لزمكم البقاء على الأصل أن تسموا كل منبيء نبياً، ولا يلزمنا لأنه قد نقل عندنا، وأما الثاني فلأنه إذا كان النبي اسم لكل منبيء عن أي شيء على الإطلاق ثم استعمله الشارع فيمن أنبأ عن شيء خاص وهو ما شرعه الله تعالى من الأحكام وأخبر به من أحوال المبدأ والمعاد، فقد قصر اللفظ على بعض ما وضع له واستعمله خاصاً به، وذلك أحد أقسام المجاز وهو استعمال اللفظ المطلق في موضع المقيد، فالأظهر أنهم إنما أنكروا نقل الإيمان لا غيره من سائر الحقائق الدينية، ومن ثم ترى بعضاً منهم يسلم نقل الإيمان لكن لا إلى الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، بل نقل من معناه الأصلي وهو مطلق التصديق إلى تصديق خاص وهو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، فمن كان كذلك فهو مؤمن شرعاً لأنه قد أتى بحقيقة الإيمان الشرعية، واجتناب المحرمات وفعل الواجبات خارج عن الإيمان ولا يدخل في ماهيته، وسيأتي إبطال قولهم هذا قريباً إن شاء الله تعالى، وكل هذه الأقوال المخالفة لما عليه أئمتنا عليهم السلام والجمهور من غيرهم محافظة على قواعد الإرجاء وإلى الله المصير.
وإذ قد فرغنا مما يلزم تقديمه من معرفة الحقيقة والمجاز، ومعرفة الحقيقة الدينية من غيرها، فلنعد إلى المقصود.
فإذا قيل لك: من المؤمن؟ [ فقل: المؤمن ] في الشرع وهو المراد بقولنا: الحقيقة الشرعية أو الدينية [ من أتى بالواجبات، واجتنب المُقَبَّحَات، ] وهو مشتق من الإيمان.(1/1264)
ما هو الإيمان؟
وهو عند أئمتنا عليهم السلام، وحكاه في الأساس عن جمهور المعتزلة والشافعي وبعض الخوارج: الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، وهو قول البخاري وغيره من أهل الحديث، قال القسطلاني:وهو موافق لقول السلف اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان، قال: وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط كماله.
قلت: بل مرادهم أنها شطر حصوله، وإنما ذلك منه ليرد مذهب السلف إلى مذهب الأشعرية، وحكاه النووي في شرح مسلم عن الخطابي والبغوي الشافعي ومحمد بن إسماعيل التميمي شارح البخاري، وقال ابن بَطَّال المالكي شارح البخاري أيضاً: مذهب جماعة من أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل، وحكى عن عبد الرزاق يعني الصنعاني رحمه الله: سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا سفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبيد الله بن عمر، والأوزاعي، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود، وحذيفة، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء وطاووس، ومجاهد وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين هو إتيانه بهذه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، إلى قوله: وكذلك إذا أقر بالله وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا يسمى مؤمناً بالإطلاق، وإن كان في كلام العرب يسمى مؤمناً بالتصديق فذلك غير مستحق في كلام الله تعالى لقوله عز وجل: ?إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ?{الأنفال:2}الآية الخ ما ذكره، وقال القسطلاني في قول البخاري: وهو أي الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ثم حكاه عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال: بل قال به من الصحابة: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وابن عباس، وابن عمر،(1/1265)