فصل في صفة المؤمن وما يجب في حقه
[ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ فمن المؤمن وما يجب في حقه ؟ ] من الأحكام الشرعية الثابتة له على سبيل الوجوب بأن تفعل له أو على سبيل التحريم أن تفعل به.
واعلم أن هذا أصل عظيم من أصول الدين وأصول الشريعة تتفرع عليه أحكام كثيرة دينية وشرعية، كيف لا وهو أعني الكلام في حقيقة المؤمن، وحقيقة الكافر، وحقيقة المنافق، وحقيقة الفاسق، وقد دخل في ذلك معرفة حقيقة الإيمان والكفر والنفاق والفسق لا يمكن النجاة إلا بفعل هذا وترك هذا، ولا يمكن فعل شيء على الوجه المطابق لما قرر الشارع، ولا تجنب شيء على الوجه المطابق لنهي الشارع إلا بعد معرفة الماهية المأمور بها أو المنهي عنها وحقائقها اللغوية والشرعية، ومعرفة هل استعمل الشارع ما أمرنا به أو نهانا عنه في معناه اللغوي أو نقله إلى معنى آخر شرعي، فما هو، وما حقيقته، وماهيته ؟ فمن ثمة أفرد كثير من الأصحاب لمعرفة الأسماء الشرعية ومسائل الإكفار والتفسيق في مؤلفاتهم كتباً وأبواباً وفصولاً حققوا فيها كل مطلب بأدلته التفصيلية ودققوا فيها كل مأرب ببراهينه الإقناعية، وكذلك علماء المخالفين خاضوا هذه الأطراف وتكلموا فيها على ضروب من الوفاق والخلاف.(1/1256)


مناظرة في علم الكلام
ولم يقصر في معرفة ذلك إلا من أعمى التعصب على علم الكلام بصيرته وقاده إتباع الهوى والأسلاف عن محجة هدايته إلى بنيان عمايته وضلالته، ولقد جرت المناظرة بين الحقير وبعض أهل العصر التاركين هذا الفن فلم أجد له كلاماً سوى التسارع إلى ذم هذا الفن وأهله.
فقلت له: هو الفن الذي به عرف توحيد الله وعدله وصدق نبوة أنبيائه.
فقال: يكفينا ما مضى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين من العقائد الإجمالية دون التفاصيل التي ابتدعها المتوغلون في الكلام والتوغل منهي عنه، ولأن الخوض في ذلك إنما هو على سبيل التقليد، والتقليد في أصول الدين لا يجوز.
فقلت له: أما إنه يكفينا ما مضى عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين فنعم، ولكن تأخر عصرنا عن إدراكهم واختلاف المسلمين إلى نيف وسبعين فرقة كل يدعي أنه أخذ بقولهم وأن غيره مخالف لهم، امتنع معه معرفة ما كان عليه ذلك السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم من دون نظر وخوض فيما كانوا عليه من تلك العقائد الدينية والأقوال الإسلامية إجمالية أو تفصيلية، ولا موجدة لها في غير هذا الفن فانقطع.
ثم قلت له: وقولك: إنه يكفي الإجمالية وأن السلف كانوا عليها دعوى ذات طرفين أنها تكفي وأن السلف كانوا عليها، فلزمك البرهان القاطع على كل منهما فلم يجب.
ثم قلت له: وبما تعرف أيها الإجمالية وأيها التفصيلية لتتبع هذه وتجتنب هذه مع أن ذلك من مباحث علم الكلام وأنت عنه بمعزل ؟ فلم يجد إلى معرفة أيهما سبيل ولا إلى الفرق بينهما والعلم به أدنى دليل.(1/1257)


ثم قلت له: وقولك إن التوغل منهي عنه. بين لنا هذا التوغل المنهي عنه لنجتنبه ؟ وقولك: إن التقليد في أصول الدين منهي عنه لا يجوز، نقول لك: نعم، ولكن قد اختلف أهل أصول الدين فيه على أقوال هذا أصحها، فما دليلك على تحريم التقليد وتحريم التوغل الذي ما عرفت معناه فضلاً عن معرفة تحريمه ودليل التحريم، فانقطع ولم يجد جواباً لأي سؤال من هذه الأسئلة أجمع.
ثم قلت له: قد اختلف أهل الإسلام في حقيقة الإيمان على عشرة أقوال، فما عندك في حقيقته ؟
فقال: فما الفائدة في معرفة حقيقة الإيمان ؟
قلت: لتكون من المؤمنين فتدخل الجنة وتنجو من النار، ولا مطلب للعاقل وراء ذلك، ولأن الله تعالى قد تعبدنا بأحكام شرعية وعقائد دينية تتعلق بالمؤمن ولا يمكن إجراؤها عليه إلا بعد معرفة حقيقة الإيمان وحقيقة المؤمن، وكذلك تعبدنا الله بأحكام شرعية وعقائد دينية تتعلق بالكافر أو المنافق أو الفاسق، فانقطع وقام من الموقف لما ضاق عليه المقام، وأظلمت عليه تلك الشبهة والأوهام: ?أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ?{الرعد:19}.(1/1258)


إذا عرفت ذلك فالإيمان والإسلام والدين، وكذلك الكفر والنفاق والفسق هذه الألفاظ قد استعمل كل منها في أصل اللغة في معنى مخصوص معروف بين العرب وبين أئمة اللغة، ووردت هذه الألفاظ في الكتاب والسنة، لكن اختلف العلماء من أهل الأصول وأهل علم الكلام هل أراد الشارع فيما خاطب به المكلفين من تلك الألفاظ ما هي مستعملة لديهم في ذلك المعنى اللغوي أم قد نقلها عنه وأراد بها معنىً آخر شرعياً بحيث إذا خاطبهم بشيء من هذه الألفاظ أمراً أو نهياً أو ورد شيء منها في إخبارياته لم تحمل إلا عليه ما لم توجد قرينة أنه أراد أصل المعنى اللغوي، فلا بد حينئذ من تقديم مسائل تترتب معرفة الحق في هذه الألفاظ وما يتفرع عليها من معرفة تلك المسائل. فنقول وبالله نصول:(1/1259)


مسألة: الحقيقة والمجاز
مسألة: الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في أصل اللغة أو عرفها أو عرف الشرع، والمجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له كذلك لعلاقة مع قرينة صارفة عن الأصل، فعلم أن الحقائق ثلاث: لغوية، وعرفية، وشرعية، فالمجاز كذلك: لغوي، وعرفي، وشرعي، واستعمال أهل كل من الثلاثة ما وضعه ابتداءً في لازمه أو فيما وضعه أي الآخرين مع المخالفة مجاز كالصلاة فإنها في أصل اللغة: الدعاء قال تعالى: ?وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ?{التوبة:103}، أي ادع لهم، وهو في عرف اللغة كذلك لم تنقل عنه، وفي عرف الشرع هي: العبادة ذات الأذكار والأركان المخصوصة بتعريف الشارع لها، فاستعمال الشارع لهذا اللفظ - أعني لفظ الصلاة - في هذه العبادة المخصوصة حقيقة، وفي المعنى الأول وهو الدعاء مجاز، واستعمال أهل اللغة أو عرفها العام أو الخاص ذلك في الدعاء حقيقة، وفي العبادة المذكورة مجاز، وكلفظ الأسد والدابة، فإن الأول في أصل اللغة موضوع للحيوان ذي القوائم الأربع، وفي الشرع لكل حيوان قال تعالى: ?مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا?{هود:56}، وأمثلة ذلك كثير في حد المجاز، وقولنا: لعلاقة، إشارة إلى أنه لا بد أن يكون بين ما استعمل فيه اللفظ أولاً ثم استعمل في معنى آخر تجوزاً من مناسبة، وإلا كان وضعاً آخراً ويصير اللفظ مشتركاً مع القصد إليه وغلطاً مع عدم القصد إلى المعنى الآخر أو سهواً مع عدم القصد إلى اللفظ، وقولنا: مع قرينة صارفة عن الأصل لم يعلم كونه مجازاً أو وجب حمله على المعنى الأصلي، فلو قال: رأيت أسداً وأراد الرجل الشجاع، لم يعلم ذلك حتى يقول: شاكي السلاح أو في الحمام أو ضاحك أو نحو ذلك مما يخص الإنسان، فإن لم يذكر شيئاً من هذه القرائن حمل على المعنى الأصلي الحيوان المفترس، وللعلاقة والقرينة أقسام مذكورة في محلها من علم البيان.(1/1260)

252 / 311
ع
En
A+
A-