فقالوا: إن الفاسق قد ترك ما هو أبغض الأشياء إلى الله تعالى وهو الكفر، وفعل ما هو أحب إلى الله تعالى وهو الإيمان، فلو عاقبه على الفسق وخلده في النار بسببه لكان قبيحاً، ولما فرق الحال بين المسلم والكافر.
قلنا: أما كونه قد ترك أبغض الأشياء إلى الله تعالى وهو الكفر فمسلم فَيَسْلَم من عذاب الكفر وهو العذاب الذي لا أشد منه، وأما كونه فعل أحب الأشياء إليه تعالى وهو الإيمان فغير مسلم لأن الإيمان هو: الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات، فمن لم يأت بالإيمان عوقب على تركه فقط إن كان مسلماً، وإن كان كافراً عوقب على الكفر وعلى ترك الإيمان، فافترق الحال بين المسلم الفاسق وبين الكافر، لأن الفاسق يعذب عذاباً شديداً دائماً بحسب ما فعل من ترك واجب أو ارتكاب محرم، والكافر يعذب العذاب الأشد الدائم بكفره وبما ارتكبه من المحرمات وبتركه الواجبات المشروطه بالإسلام.
شبهة مركبة من العقل ومن السمع:(1/1251)
وهي أنهم قالوا: قد ثبت بإجماع المسلمين أن الله تعالى عظيم العفو، حسن التجاوز، واسع المغفرة، واسع الرحمة، أرحم الراحمين، أكرم الأكرمين، وأكثر الله سبحانه وتعالى من وصف نفسه عز وجل بذلك، والقرآن مملوء من نحو ذلك، وأنه رؤوف رحيم كريم محسن، وإذا كان لا يعفو عن ذنب إلا بتوبة ولا يفعل ثواباً لأحد إلا بعمل لم يكن لتلك الأوصاف مصداق، بل التمدح بها تمدح بما لا مقتضي له لأن التوبة والعمل الصالح هما المقتضيان للإثابة والرحمة والمغفرة، فلا يكون له تعالى حينئذ تكرم ولا منة، وأين حسن التجاوز وسعة الرحمة والحال ما ذكر، فلا مدحة إلا بفضل، قال السيد الحسن الجلال رحمه الله: فلا بد لكم بأحد أطراف ثلاثة: إما أن يكون التمدح بما لا فضل فيه مستحسن في العقول وخلافه معلوم ضرورة أو يقع الغفران بالتوبة تفضلاً أو بكونه يقع بمجرد العفو بلا توبة، والوجهان أيضاً باطلان على أصلكم، فكيف التخلص من هذا المضيق الذي هو أصل البحث الذي ساقه خصمكم ؟
والجواب وبالله التوفيق: أن مُورِدي هذه الشبهة فريقان: عدلية ومجبرة، وكل منهما لا تستقيم على قود مذهبه.(1/1252)
أما العدلية: كالجلال والمقبلي فلأنهم لا يخالفونا في صحة معاقبة الله المصر على الكبيرة، فلو عاقبه بناء على صحة ذلك وجوازه أو عدم وجوب قبول التوبة في حق من تاب لما كان عظيم العفو حسن التجاوز واسع المغفرة، فما أوردوه علينا بأسره فهو وارد عليهم لا محالة، فما أجابوا به فهو جوابنا، مع أن هذا الإلزام خاص بهم ولا يلزمنا البتة كما سنوضحه، وإنما قلنا: إنه خاص بهم، لأن من أصولهم أن قبول التوبة لا تجب، بل التائب وغير التائب تحت المشيئة على سواء، فأين مصداق عظيم العفو حسن التجاوز واسع المغفرة إن كان يصح منه تعالى رد التوبة النصوح التي لا يجد الفار من غضبه إلى رضاه غيرها ؟ وهل هذا إلا إقناط من رحمة الله وتثبيط عن التوبة، والمبادرة إليها وإغراء على الاستمرار في المعصية، إذ قد صارت التوبة وعدمها على سواء، فلا ثمرة في فعلها بل ولا في شرعيتها والأمر بها، بل تصير شرعيتها والأمر بها عبثاً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وأما المجبرة: فمن أعظم أصولهم إنكار التحسين والتقبيح العقليين، وأن العقل لا يدرك فيما يفعله الله بعباده وجه حسن ولا قبح، وأنه يجوز أن يعذب الأنبياء بذنوب الفراعنة، ويثيب الفراعنة بطاعات الأنبياء لأنه لا يقبح منه شيء ولا يسأل عما يفعل.
فيقال لهم: من أين علمتم صحة ما أوردتم من هذه الشبهة من أنه لا يصح التمدح بالغفران والرحمة مع التوبة ؟ وأين مصداق واسع الرحمة وأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين مع كونه خلق الكفر في الكافر وعذبه عليه أَبَدَ الآبدين ؟ وأين شاهد كونه تعالى محسناً رؤوفاً مع صحة أن يعذب الأنبياء بذنوب الفراعنة ؟
فتبين لك أن هذه الشبهة لا تصح دليلاً لأحد فريقي الإرجاء لا العدلية ولا المجبرة، فلا متمسك لهم بها.
لا يقال: إنما أوردوها ليبطلوا بها ما ذهبتم إليه بناء على أصلكم في عدم جواز العفو عن المصر على الكبيرة لا ليتمسكوا بها لمذهبهم، فقد قامت الدلالة عليه بغيرها.(1/1253)
لأنا نقول: هذا باطل من وجهين:
أحدهما: أنه لا يلزمنا أن الله تعالى لا يسمى واسع المغفرة حسن التجاوز إلى آخره، مع قولنا: إنه يفعل بصاحب الكبيرة ما يستحقه من العقاب، وإنه لا يثيب أحداً إلا بالعمل الصالح. لأن إسقاط عقاب الكفر عمر المكلف إلى قبيل الموت بوقت أو وقتين فصاعداً، فتكون من العبد التوبة النصوح فيقبلها الله منه ثم يقبضه إلى رحمته، وكذلك العمل الصالح اليسير الذي لا يساوي عشير عشير معشار نعمة الله تعالى على العبد الذي فعله، فيثيبه عليه الإثابة التي لا مثلها في الإنعام حيث يدخله الجنة خالداً، فهذا حسن تجاوز وسعة مغفرة ورحمة لا حسن ولا سعة في الرحمة والمغفرة وراء ذلك، وإن كان لا يفعله إلا لمن تاب وعمل صالحاً أو كان لا يفعله لمن لم يكن من أهله وهو المصر، كما أن عدم إكرام السلطان عدوه لا ينافي كرمه ورحمته وتجاوزه عن اليسير من عيوب رعيته، وإن كان في عطاياه وإكراماته للرعية ما هو واجب مستحق كالأجير، وكذلك إذا كان يعطي من أحسن فوق ما يستحق، فكل ذلك كرم وفضل ورحمة كذلك، وإذا كان السلطان يقبل من فر إليه من الأعداء واعتذر إليه وأخلص التولي له ودخل تحت طاعته فأكرمه وصفح عنه في جميع ما قد أسلف فلا شك أنه قد عفا عنه وأكرمه، ولا شك أن ما عليه من الإغلاظ والتوعد لسائر الأعداء إن لم يفيئوا، لا ينافي في كونه كريماً عفواً محسناً رحمياً برعيته، وإن كان شديد العقاب على من ظفر به من الأعداء، فَجَعْلِهم ذلك تمدحاً بما لا فضل فيه مغالطة ومكابرة لما تستحسنه العقول ونطق به سيد المنقول: ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ?، ?وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ o الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ? {الأعراف:156،157}، ?إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ(1/1254)
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ?، ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ?{التحريم:8}، مع أن من أحسن قضاء الغريم وأحسن رد الوديعة وترك الظلم والكذب مع قدرته عليهما يستحق الثناء والمدح عقلاً، وإن كان ذلك واجباً وهل الثواب والثناء في الواجبات الأعظم منه في التفضلات، ولهذا اتفق العلماء أن ثواب الواجب أكثر من ثواب المندوب.
الوجه الثاني: أن نقول: ومن أين أنها قد قامت الدلالة على مذهب الخصم حتى يصح قول السائل إنما أوردوا هذه الشبهة على أصلنا ليبطلوا بها مذهبنا لا للاستدلال بها، لأنا قد أبطلنا جميع ما استدلوا به من النقل والعقل إلى عند أن جرى الكلام في هذه الشبهة.
I
ولما فرغ عليه السلام من ذكر الوعد للمؤمنين والوعيد على الكفار والفاسقين أتبع الكلام على ذلك بالكلام في حقيقة المؤمن، وحقيقة الكافر، وحقيقة الفاسق، وذكر مسائل الإكفار والتفسيق فقال عليه السلام :(1/1255)