الحديث الثامن: أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، ذكر حديث الجهنميين فقيل له: ما هذا الذي تحدث، والله تعالى يقول: ?إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ?{آل عمران:192}، و ?كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ?{السجدة:20}، فقال: هل تقرؤون القرآن، قال: نعم، قال: فهل سمعت فيه بالمقام المحمود، قال: نعم، قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي يخرج به من يخرج، ذكرهما السيوطي في الدر المنثور، وأخرج الأخير مسلم بأكثر مما ذكر.
قلنا: أما كون الشفاعة هي المقام المحمود فلا تناكر، وأما أنه يخرج بها قوم من النار فقول صحابي موقوف عليه، ولا يسلم رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن سلمنا صحة الرواية عن أبي سعيد في الأول وجابر في الثاني رضي الله عنهما، ومعارضان بأكثر منهما وأصح إسناداً من رواية الموالف والمخالف.(1/1246)


الحديث التاسع: ما يروونه من الحديث الطويل في كيفية الشفاعة يوم القيامة من أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وقد بلغهم من الجهد ما بلغهم، فيأتون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى يطلبون من كل واحد منهم عليهم السلام الشفاعة فيقول لست هناك ويذكر خطيئة له ويدلهم على من ذكر بعده، حتى إذا كانوا عند عيسى عليه السلام فاختلفت الروايات، ففي بعضها أنه لم يذكر ذنباً، وفي بعضها أنه يقول إن لي خطيئة إني عُبدت من دون الله ائتوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، فيأتونه فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه، ألا ترى ما قد بلغنا. قال صلى الله عليه وآله وسلم: " فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه، اشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى " هذه إحدى روايات مسلم وفيها: " ولم يذكر له ذنباً " وهي عن أبي هريرة قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكان تعجبه فنهش منها نهشة فقال: " أنا سيد الناس يوم القيامة، هل تدرون بما ذاك ؟ يجمع الله تعالى يوم القيامة الأولين والآخرين " الخ، وأخرجه أيضاً من طريق عن أنس إلى قوله: " ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع رأسك يا محمد إلى قوله: فيحد لي حداً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، قال: فلا أدري(1/1247)


في الثالثة أو في الرابعة قال: فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي من وجب عليه الخلود "، ورواه أيضاً من طريق عن أنس وفيها: " فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه فأنطلق وأفعل " الخ.
قلنا: إن صح هذا الحديث فهو مضطرب، والاضطراب عند أئمة الحديث يوجب ضعف الحديث، ولا يؤخذ بالضعيف في الظنيات فكيف بما المطلوب فيه العلم القطعي ! ولاضطرابه ينظر أي الروايات أرجح بأن يعتمد عليها، فتقدم الرواية الأولى عن أبي هريرة لأنه لا تناقض فيها، ولا تعارض القرآن وصحيح السنة، ولأنها جارية على مقتضى الحال من سياق الكلام على نسقه اللازم بلا تهافت ولا تناقض في ذات بينه، بخلاف الروايتين الآخرتين عن أنس ففيهما من التهافت والتناقض والاختلاف بينهما في ذاتهما ما لا يخفى مع كونهما معارضين لآي الكتاب وصحيح السنة فلا يمتنع تطرق الوضع إليهما، وإنما قلنا ذلك لأن الثلاث الروايات قد اتفقت في أولها: أن الله تعالى يجمع الخلق الأولين والآخرين في صعيد واحد فيرون من هول المحشر ما يرون، وينصرفون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم عيسى، ثم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليشفع لهم من انصرفوا إليه، وإنما يستقيم طلب الشفاعة في تلك الأحوال ليخلصهم الله بها من هول المحشر، لأنهم في تلك الحال ما قد دخلوا ناراً ولا قد عاينوا قراراً، ويؤيده ما ذكر في رواية أنس: يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا عز وجل حتى يريحنا من مكاننا هذا، وفي رواية أبي هريرة: فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، إلى قوله: ألا تنظرون من يشفع لكم حتى قال: فيأتوا آدم إلى آخره، فعلم من الثلاث الروايات أنهم عند أن وصلوا إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما قد دخل أحد منهم النار مع أنهم جميع الأمم الأولين والآخرين، فلما سجد صلى الله عليه وآله وسلم وقيل له: ارفع(1/1248)


رأسك وسل تعطه وأشفع تشفع، قال: أمتي أمتي ـ، أي لا أطلبك الشفاعة لجميع هؤلاء وإنما أطلبها لأمتي - فاستجاب الله طلبته وقبل شفاعته، وقال له: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه، وهذا يدل على ما ذهبنا إليه من أن الشفاعة لا تكون للفساق لأن عليهم الحساب الشديد بلا خلاف، ويدخل في قوله: من لا حساب عليه من استوت حسناته وسيئاته، ومن زادت حسناته على سيئاته من باب الأولى، والمراد: من لا حساب عليه حساباً كبيراً لقوله تعالى في المؤمن: ?فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ?{الانشقاق:8}، أو يعلم منه أنهم في تلك الحال ما قد دخل أحد جنة ولا ناراً فينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها - أي في عرصة المحشر - جثياً، ثم يساق المؤمنون إلى الجنة زمراً والمجرمون إلى النار زمراً، وليس في رواية أبي هريرة أنه يقع منه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك غير مرة واحدة، ورواية أنس أنه يتردد ثلاثاً أو أربعاً كل مرة يشفع في حد محدود ووزن من الإيمان معلوم، وهذا لا توافقه رواية أبي هريرة مع أنها تشهد لها آيات الكتاب العزيز مع عدم تناقضها وجري الكلام معها على نسقه، بخلاف رواية أنس فلا شاهد لها من الكتاب ولا هي جارية على نسق الكلام، لأن بمقتضى سياق أولها أن الناس عند طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشفاعة ما قد دخل أحد منهم النار فقوله جواباً عليه: اذهب فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ليس على نسق الكلام، لأنهم ما قد دخلوا ناراً إذ ذاك فهو تهافت في الكلام ومناقض لمعنى أوله، كما ذلك ظاهر لمن تدبر سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفرق بين غثها والسمين، وعرضها على آيات الكتاب المبين، إلا أن رواية أنس رضي الله عنه إن فرضنا صحتها عنه كما ذكرت في هاتين الروايتين تحتمل التأويل بأن الله تعالى قال: اذهب فأخرجهم من النار - أي نجهم منها - فلا يدخلونها لأنهم مع كونهم بين تلك الأمم شفقون أن لا ينجون منها، لأن(1/1249)


من كان شفقاً أن يقع في شيء ثم نجي منه قيل قد أخرج منه تجوزاً، وكذلك من كان قد فعل سببه المقتضي له، كما قال تعالى: ?وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ?{آل عمران:103}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما زلت آخذ بحجزكم وأنتم تتهافتون إلى النار تهافت الفراش " الحديث، والمراد من أمته المطلقة في رواية أنس من لم يستحق النار للقيد الذي في رواية أبي هريرة: من لا حساب عليه، ولو لم يكن في قلبه من الإيمان إلا مثقال ذرة مع تجنب موجب النار، فيكون معنى هذه الرواية موافقاً بعد تأويله بما ذكرنا من رواية أبي هريرة، ويكون الجميع موافقاً لما رووه واحتجوا به.
الحديث العاشر: وأخرجه المرشد بالله عليه السلام في الأمالي بإسناده إلى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله ومن في قلبه مثقال بُرَّة من إيمان "، ولا حجة لهم فيه وإن كان من رواية أئمتنا عليهم السلام لأن معناه ما ذكرنا في رواية أنس للحديث التاسع جمعاً بين الأحاديث وصوناً لها عن التعارض ومعارضة آي الكتاب الكريم ومخالفة إجماع العترة عليهم بعد أبيهم أفضل الصلاة والتسليم.
فهذه العشرة الأحاديث هي عيون ما يتمسك به طوائف المرجئة لمذاهبهم العاطلة واعتقاداتهم الباطلة، وقد أريناك أيها المسترشد أنه لا دلالة في شيء منها وما عداها فإنما هي أحاديث يتفرد بها رواتهم الذين يذهبون إلى تلك المذاهب المتشتتة والأقوال المتفاوتة، والعشرة المذكورة هي الغرر عندهم والعُمَدُ فيما بينهم ?وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ ? {المجادلة: 18}.
وأما ما تمسكوا به من جهة العقل:(1/1250)

250 / 311
ع
En
A+
A-