قلنا: لا نسلم صحة هذا الحديث لأن في أوله ما يقتضي الكفر الصريح والتجسيم الفضيح وهو قوله: " ويتبع من كان يعبد الشمس ومن كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغية، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تعالى في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول: أنا ربكم. فنقول: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونه، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ".(1/1241)
وهذا الكلام لا يصح إلا أن يكون من دسائس الملاحدة وأهل الزيغ لما فيه من تنقله عز وجل من حال إلى حال وإثبات الصور، وكون المؤمنين والمنافقين يعرفونه بصورة قبل يوم القيامة فيأتيهم أولاً في غيرها فيستعيذون بالله منه، ثم ينصرف عنهم فيأتيهم في صورته التي عرفوها قبل يوم القيامة، وكيف يصح أو يُؤَوَّل هذا الكلام في عقل عاقل أو تأويل عالم أو جاهل، ثم قوله: " فيتبعونه " ظاهره أن يقدمهم في الانصراف إلى أي الجهات وهم له تبع فيناقضه ما بعده من الكلام وهو قوله: " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد أراد أن يخرج برحمته من أهل النار " إلى آخر الكلام الذي مر ذكره، ثم في آخر هذا الحديث ما يقتضي وقوع الأيمان المعقودة على أمر في المستقبل ثم الحنث بعدها، ثم كذلك، ثم كذلك، ثم كذلك وهو في النار يسأل الله أن ينقله من درجة هو فيها إلى ما هي دونها فيأخذ الله عليه العهود والمواثيق أن لا يسأل الله شيئاً بعدها، فإذا نقله إليها سأل الله أن ينقله إلى ما دونها فيقول الله عز وجل: ألم تعطني العهود والمواثيق أن لا تسأل غير ما أعطيت ويلك يابن آدم ما أغدرك، فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله عز وجل منه، فإذا ضحك منه قال: أدخل الجنة، وهذا يلزم منه التجسيم والاستهزاء والسخرية في موقف الحق والأيمان الفاجرة ومناقضة أول الحديث في كيفية إخراج أهل النار منها، وكفى بهذه الوجوه دليلاً على بطلان هذا الحديث بأسره.
وبعد فهذا خبر آحادي والمسألة تحتاج إلى قطعي والآحاد لا تفيد القطع.
وبعد فهو مُعَاَرِض لأدلة العقل وقواطع النقل وما كان كذلك فلا يقبل إجماعاً.(1/1242)
وبعد فإن فرضنا صحة ما فيه الاستشهاد لمدعى الخصم فقط أدى إلى تفريق الحديث والحكم على بعضه بالصحة وبعضه بالوضع والبطلان مع اتحاد الراوي فيقدح في الراوي، وشرط قبول الآحاد عدالة الراوي، وبعد فالصلاة التي تعرف الملائكة من يخرجونهم بأثر سجودها إن كانت مقبولة فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر فأهلها ليسوا أهل كبائر فلا يدخلون النار، وإن كانت مردودة فلا أثر لها ولا ينفع سجودها.
الحديث الخامس: ما أخرجه مسلم أيضاً بإسناده إلى أبي سعيد الخدري وساق حديثاً بنحو الذي قبله بشأن الرؤية والمرور على الصراط إلى قوله: " فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقه وإلى ركبتيه ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به، ثم يأمرهم أن يخرجوا من كان في قلبه مثقال دينار من خير، ثم من في قلبه مثقال نصف دينار، ثم من في قلبه مثقال ذرة من خير، إلى قوله: فيقول الله عز وجل: شفعت الملائكة وشفع النبيئون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج فيها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حميماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة إلى قوله: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خيرٍ قدموه " إلى آخر الحديث.(1/1243)
قلنا: وهذا الحديث أيضاً لا يصح لأن فيما طوينا منه من الألفاظ الكفرية والأقوال الفرية مثل ما في الذي قبله، بل فيه ما هو أقبح، فمن أراد الاطلاع عليه فليطالعه من أصله، فما ورد على الذي قبله فهو وارد عليه، ويزداد هذا بأنه معارض لقوله تعالى: ? ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ?{آل عمران: 142}، وقال تعالى: ?وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ?{فصلت:35}،? وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ?{الزخرف:72}، هذا بالنظر إلى ما ذكر في آخره فيخرج قوماً لم يعملوا خيراً قط، ثم أخبر بدخولهم الجنة وقد صاروا كاللؤلؤ، وأيضاً ففي أوله ما يقتضي تهافت الكلام وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب الصحابة: " فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله تعالى في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم من أهل النار "، لأن الصحابة أفضل المؤمنين، فمن هؤلاء المؤمنين الذين لم يبلغ الصحابة مرتبتهم في مناشدة الله تعالى في استقصاء الحق، وأي حيف وميل من الله تعالى عن الحق حتى يحتاج إلى أن يناشده في استقصاء الحق هؤلاء المؤمنون، وأما إخراج من في قلبه دينار أو نصف دينار أو مثقال ذرة من خير، فلعل ما وازن ذلك يكون بعد استواء الحسنات والسيئات، ومن تساوت حسناته وسيئاته لم يكن من أهل الكبائر، فكيف بمن زاد له من الخير مثقال ما ذكر، فلا يسلم دخول ما هذا حاله النار، ويدل عليه ما ذكر من قوله: كانوا يصومون معنا ويحجون ويصلون، ولم يذكر جواباً حاكياً عنهم كبائر كانوا يفعلونها استحقوا بارتكابها دخول النار، إذ ذكر مثل ذلك واجب في مقام الحجاج، سيما وفيه تنزيه الله تعالى عن أن يكون أدخلهم النار بلا ذنب أسلفوه ولا قبيح اقترفوه، وظاهر هذا(1/1244)
الحديث أن الله تعالى أدخلهم النار اعتباطاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الحديث السادس: ما أخرجه مسلم في أحاديث الشفاعة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال: بخطاياهم - فأماتهم إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن لهم في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر "، قال النووي شارح كتاب مسلم: هو بفتح الضاد المعجمة وهو جمع ضبارة بفتح الضاد وكسرها، لغتان أشهرهما الكسر، قال أهل اللغة: الضبائر جماعات في تفرقة فَبُثُّوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل.
قلنا: هذا الحديث وإن لم يكن فيه من فحش الكلام ما يقدح فيه كما في اللذين قبله، لكنه معارض لقوله تعالى: ?إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ?{طه:74}، وهذا الحديث أفاد الإماتة فيها، ثم في آخره أنهم ينبتون على أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة.
لا يقال: إنه عام والحديث خاص فلا تعارض.
لأنا نقول: قد قدمنا أن العام فيما يتعلق بالعقائد وأصول الدين قطعي الدلالة على كل فرد، فلا يصح تخصيصه إلا بقطعي والحديث آحادي، فلا يصح التخصيص به، ولأنه معارض للآيات والأحاديث الدالة على خلود أهل الكبائر في النار.
الحديث السابع: أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد في قوله تعالى: ?عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ?{الإسراء:79}، قال: يخرج الله قوماً من النار من أهل الإيمان بشفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك المقام المحمود.(1/1245)