ومنها: أن يشفع في قبول التوبة.
وهذا وإن كانت شفاعة في واجب، فإنها لا تمتنع الشفاعة في مثل ذلك كشفاعة الوزير إلى السلطان في إخراج عطايا أهل الاستحقاق الواجبة، وأيضاً قبول التوبة لا تجب عند الخصم فتكون شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبولها، فلا وجه للاعتراض بما هو صحيح على أصل مذهبه، فإن أراد إلزامنا فقد بينا سقوط الاعتراض بعدم امتناعها فيما هو واجب كما مُثِّل.
ومنها: أن يشفع صلى الله عليه وآله وسلم للتائب في إرجاع ثواب ما أحبطته الكبيرة من الطاعات قبل فعلها كما يقوله أبو الهذيل.
ولا مانع منه، لأن التوبة إنما تقتضي إسقاط العقاب لا إرجاع ما أحبطته المعصية من الثواب.
ومنها: أن يشفع صلى الله عليه وآله وسلم للتائب في زيادة ثواب التوبة أو ثواب سائر طاعاته.
وكل ذلك فضل ولا راد لفضله والله ذو الفضل العظيم.
الحديث الثاني: ما نقله عن الإمام يحيى بن حمزة عليه السلام من شرح الأربعين السيلقية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما أزال أشفع حتى أعطى صكاكاً صكاكاً لرجال قد بعث بهم إلى النار حتى أن مالكاً خازن النار ليقول: يا محمد ما تركت للنار ولغضب ربك بقية "، وقال: بل كيف يتأول هذا الحديث ؟(1/1236)


قلنا: بل كيف يصح في نفسه عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم لأن ظاهره الإنكار من مالك فعل الرسول وأنه لا يبقى في جهنم بقية لا من الكفار ولا من الفساق وأن الله غاضب على أولئك الذين أعطى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم الصكاك التي لا يمكن إعطاؤها إلا مع الرضا عنهم، اللهم إلا أن يكون على سبيل المغالبة والقهر فمعلوم البطلان وهو مُعارض لقوله تعالى: ?أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ?{الزمر:19}، ?وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ? {البقرة:270}، ?مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ ?{غافر:18}، فبطل الحديث من أصله، فلا معنى للتعجب كيف يكون تأويله، ولعل الإمام يحيى عليه السلام إنما نقله على سبيل حكاية حجة الخصم والله أعلم.
الحديث الثالث: ما حكاه من الحديث القدسي ولم ينسبه إلى كتابٍ ولا راوٍ: " ذنب لا أغفره وذنب لا أتركه وذنب أتركه "، وجعله شاهداً لمعنى كلام الوصي عليه السلام إن الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفر، وظلم لا يترك، وظلم مغفور.
قلنا: لا دلالة في ذلك على مدعى الخصم لأن معناه ذنب لا أغفره وهو الشرك وسائر الكبائر من دون توبة، وذنب لا أتركه وهو ظلم الناس بعضهم بعضا بل يجري بينهم التناصف وإن تاب الجاني بأن يأخذ الله تعالى من ثواب حسناته أو يتفضل عنه بقدر جنايته وبعطية المجني عليه، وذنب مغفور في اجتناب الكبائر وهو الصغائر، ولا بد للخصم من هذا التأويل وإلا لزمه أن الشرك وجميع الكبائر لا تغفر ولو مع التوبة.(1/1237)


فهذا ما احتج به من الأحاديث التي ذكر أنها بلغت بشواهدها خمسمائة حديث، ثم قال إنها بلفظ هاذين الحديثين أو نحوه، يعني ذكره عن الحاكم، والذي ذكره عن الإمام يحيى عليه السلام ، ثم قال: إنها صريحة نصوصاً ضرورية الدلالة، وزيادتها على حد التواتر التي يجوز فيها خبر الكفار والفساق فما ظنك بأئمة أهل البيت عليهم السلام ومشاهير أئمة آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتهى ذكره عند قول النجري إن أحاديث المرجئة في الشفاعة ظاهرة التأويل جديرة بعدم التطويل، وقال هكذا فليكن الحكم على الغائب، وليت شعري كيف يتأول ما رواه الحاكم عن جعفر الصادق الخ، وذكر الحديثين، فأما الثالث فلم يذكره إلا في موضع آخر.(1/1238)


ويقال له: وإذا كانت الأحاديث التي زعمت أنها بلغت حول خمسمائة حديث لم تذكر منها سوى الحديثين المذكورين فقد حكمت على الغائب، وليت شعري كيف يتأول ما رواه الموالف والمخالف من الأحاديث التي مر ذكرها مع كون بعضها صرائح قطعاً نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ثلاثة لا تنالهم شفاعتي: ناكح البهيمة " الحديث، وقد مر: " من غش العرب لم يدخل في شفاعتي "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "، ونحو ذلك من الأحاديث القاضية بنفي الشفاعة أو نفي دخول الجنة من أهل الكبائر، وقد مر منها ستون حديثاً تفيد ذلك بعضها بالمنطوق وبعضها بالمفهوم، والسنة مملوءة مما يؤدي معنى ذلك حتى بلغت حد التواتر المعنوي، لا يرتاب في ذلك إلا من كابر واتبع الشبه العاطلة والأقوال المزخرفة الباطلة، وكيف يصح قولك إن الخمس المائة الحديث بلفظ الحديثين اللذين ذكرتهما أو نحوه أي نحو لفظهما وهو مرادف اللفظ، إذاً فتكون الخمس المائة الحديث ليست إلا حديثين لا غير لأن المروي بلفظ واحد أو مرادفه لم يعده أئمة الأحاديث إلا حديثاً واحداً وإن كثر رواته وكثرت طرقه، وكيف يصح دعواك أنها صريحة نصوصاً ضرورية الدلالة، وقد أريناك كيفية تأويل الأول وعدم صحة توجيه الاستدلال بالثاني، وكيف يصح زيادتها على حد التواتر، وقد اقتصرت في رواية هذين الحديثين على رواية الحاكم ورواية الإمام يحيى عليه السلام ، وجعلت بقية الخمس المائة بلفظ هاذين الحديثين أو معنى لفظهما، فإن أردت تواتر اللفظ فهو باطل قطعاً من حيث أن خبر الاثنين لا يفيد التواتر، وإن أردت تواتر المعنى فلم تذكر الخمس المائة أو شطراً منها حتى تفيد العلم الضروري بثبوت المدعى، وكيف يصح دعوى تواتر معنى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفادت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي رواها الموالف والمخالف بخلافه، ولقد رددت الفكر على أي وجه صدرت هذه المقالة من السيد(1/1239)


الهمام رحمه الله تعالى مع كونه ممن لا يجهل دلالات الألفاظ وأوضاعها اللغوية والقواعد الأصولية، فلم أجد لها وجهاً إلا قولهم: حبك للشيء يعمي ويصم، وقد قال تعالى: ?وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ?{الأنعام:153}.
ولنعد إلى نقل بعض الأحاديث التي يتمسك بها المخالفون، وقد علمت أيها المسترشد أنه إنما يلزم الكلام فيما ورد مما يدل على الخروج من النار بعد الدخول، أو صرف أناس عنها بعد التوجه بهم إليها، نسأل الله السلامة منها، دون أحاديث العفو والغفران المجمل أو المطلق والأحاديث المعلق فيها الشفاعة أو دخول الجنة أو المغفرة أو الرحمة بفعل طاعة أو ترك معصية كما مر تحقيقه، فلا متمسك فيه للقوم من أصله وإن كثر وتواتر وبلغ حد المئين والألوف وتوفر.
فنقول الحديث الرابع: ما رواه مسلم في كتابه بإسناده إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وساق حديثاً طويلاً في شأن الرؤية إلى قوله: " حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد أراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئاً ممن أراد الله أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله،فيعرفونهم في النار، ويعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا " الخ الحديث وهو طويل، لكن هذا موضع الاستشهاد منه.(1/1240)

248 / 311
ع
En
A+
A-