وهذا أبعد في الدلالة مما قبله على مطلوبهم، بل لا دلالة فيه البتة لما فيه من الإجمال، لأنها حكاية فعل لا يعلم على أي وجه وقع ذلك العفو عنهم، هل مع موتهم على الإصرار أو مع توبة تقدمت الموت ولو بوقت قبل أن يغرغروا أو مع زيادة حسنات لهم زادت أو زاد ثوابها على معاصيهم أو عقابها؟ وعلى التقديرين الأخيرين تخرج المسألة عن موضع البحث والنزاع ويعود الكلام، وتلك الأحاديث دلالة على مذهبنا وهما أولى بالترجيح من التقدير الأول وهو الموت على الإصرار لموافقتهما لما مر من الأدلة القطعية الدالة على وقوع العقاب على أهل الكبائر المصرين، ولأنه يشهد لهما قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ o أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ?{آل عمران:135}، وقوله تعالى: ?إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا o وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?{النساء:17،18}، وقوله تعالى: ?وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ?{النساء:110}، ونحو ذلك من الآيات الكريمة،وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " التائب من الذنب كمن لا ذنب له "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ويل للمصرين " مرتين أو ثلاثاً،(1/1231)


وغير ذلك من الأحاديث المتفق عليها، فإذا حصر سبحانه التوبة، وقصرها والمراد لازمها وهو الغفران والعفو عن المعصية على من تاب منها قبل موته ونفاها عمن مات مصراً على سيئاته، فكيف يجوز أن يقال: هو يعفو ويغفر للمصرين دون توبة ؟ ذلك مناقضة لكتاب الله العزيز ومخالفة لمدلول آيات الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند من له أدنى تمييز.
لا يقال: ذلك دلالة عموم وهي ظنية فلا قطع بدخول عصاة المسلمين فيها، بل الدلالة فيها ظنية أو أن المراد بها الكفار، فلا يدخل عصاة المسلمين فيها.
لأنا نقول: أنا قد بينا فيما سبق أن دلالات العموم فيما يتعلق بالأصول الدينية وأصول الشرائع ونحوها قطعية، ولأن قوله تعالى: ?وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ? يدل على المغايرة، فيكون المراد بما قبله من مات مصراً على عصيانه من هذه الأمة ثم توعد الجميع بقوله: ?أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ?.
ومنها: أحاديث علق فيها الشفاعة أو الغفران أو الثواب أو الأجر أو العفو أو دخول الجنة على من فعل ما ذكر فيها من أنواع الطاعات والقرب المقربات.(1/1232)


وهذا شيء كثير وجم غفير فتمسكوا به من حيث الإطلاق والتعميم للمؤمن والفاسق نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من فطر صائماً كان له مثل أجره "، " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه "، " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " أو كما قال: " من قرأ قل هو الله أحد كان له من الأجر كذا وكذا "، " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " ونحو ذلك من الأحاديث الواردة فيها المكافآت على فعل الطاعات أو ترك المقبحات نحو: " من ترك الظلم وهو يقدر عليه كان له من الأجر كذا وكذا "، " من دعته امرأة إلى نفسها فامتنع منها كان له كذا وكذا "، فتعلقوا بهذه الأحاديث من حيث تعلق الجزاء بالفعل المذكور، ولو كان الفاعل ذا كبيرة تاب عنها أم لا زادت حسناته على سيئاته أم لا كما هي قاعدة العموم.
ولا دلالة لهم فيها على مدعاهم لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن كل مطلق يجب حمله على المقيد كما هو المقرر في أصول الفقه وإلا أدى إلى إهمال القيد، وهو كلام حكيم لا يجوز إهماله كما قدمناه في الأصول السبعة المتفق عليها، فيقيد بقوله تعالى: ?إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ ?{المائدة:27}، والمصر على الكبيرة ليس بمتقي فلا يقبل منه ما فعل ما لم يتب.
ثانيها: أن دلالة العموم عند الخصم ظنية بكل حال فلا تدل تلك الأحاديث على مطلوبه إلا ظناً و?إن الظن لا يغني من الحق شيئاً?.
ثالثها: أن حملها على العموم يؤدي إلى معارضة الآيات والأحاديث التي مر ذكرها وهي قطعية متناً ودلالة كما مر تحقيقه، وهذه الأحاديث لا قطع فيها بمتن ولا دلالة، غايتها إن سلم الظن ولا يجوز ترك القطعي والعمل بالظني كما هو أحد الأصول السبعة التي مر ذكرها ولا خلاف في شيء منها.(1/1233)


إذا عرفت ذلك فلا معنى لنقل ما ورد من هذا القبيل والذي قبله إذ لا دلالة فيهما على مدعى الخصم وإن كثرت وبلغت حد المئين أو الألوف، وإنما ينبغي أن ينقل ويتكلم فيما يرجع إلى أي القسمين الأولين الذين ذكر فيهما الخروج من النار أو صرفهم عنها بعد التوجه بهم إليها أو ما في معنى ذلك مما يوهم الغفران لأهل الكبائر من دون توبة.
فهذه الجملة المذكورة ينبغي معرفتها قبل الأخذ في نقل ما يتمسك به المخالف من السنة ولا غنية لمن أراد معرفة الحق في المسألة التي نحن بصددها.(1/1234)


الرد على ما يتمسك به القائلون بخروج أهل الكبائر المصرين من النار
وقد زعم السيد الحسن بن أحمد الجلال والسيد هاشم بن يحيى أن الأحاديث الواردة في ذلك بلغت حد التواتر وأنها بلغت إلى نيف وخمسمائة حديث مع شواهدها، ولعلهما أدخلا القسمين الأخيرين في ذلك، وقد عرفت أن إدخالهما في ذلك غلط أو مغالطة، ولا دلالة فيه أصلاً مع أنهما لم يذكرا إلا ثلاثة أحاديث ذكرها السيد الحسن:
الحديث الأول: قال: رواه الحاكم عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "، قال: وليت شعري كيف يُتَأَوَّل.
قلنا: يتأول بأنه من باب وضع المطلق موضع المقيد بأن المراد أهل الكبائر التائبين دون المصرين، للآيات والأحاديث الدالة على أن لا غفران لمصر، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " رجال من أمتي لا تنالهم شفاعتي " الحديث، " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة " الحديث، " آكل الربا ومانع الزكاة حرباي في الدنيا والآخرة ".
وبعد فقد مر من رواية الحسن البصري: " ليست شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "، وهذا صريح لا يحتمل التأويل، والأول قد احتمله إن فرضنا أنهما حديثان قالهما صلى الله عليه وآله وسلم في موقفين وإلا فالأظهر أنه حديث واحد حذف أو سقط على بعض الرواة أوله، وقد قرر أئمة الأصول أن الزيادة من العدل مقبولة فتكون رواية الحسن حجة في الزيادة يجب قبولها وتسقط حجة المخالف.
لا يقال: التائب مستغن عن الشفاعة فلا فائدة فيها مع قولكم بوجوب قبول توبة التائب.
لأنا نقول: للشفاعة مزيد فوائد على مجرد قبول التوبة الواجب عقلاً منها التنويه بشأن التائب والإعلان بالرضا عنه وقبول توبته على رؤوس الخلائق، إذ لو وقع القبول بمجرد إسقاط عقاب المعصية فقط من دون ذلك التنويه والإعلان برضا الله ورسوله لما كان في قبولها من الفرح والسرور وإغاظة أعداء التائب من الكفار والفساق كما كان بالشفاعة.(1/1235)

247 / 311
ع
En
A+
A-