قلنا: لا دلالة في الآية على حصر الخلق بين أسود وأبيض ولا يلزم من ذكر التقسيم إلى اثنين أن ينحصر فيهما إلا إذا كانا نقيضين كالليل والنهار والوجود والعدم والذكورة والأنوثة والحياة والموت، لا إذا كانا ضدين كالألوان والطعوم والروائح فلا يلزم من ذكر اثنين ولا إدخاله وإرجاعه إلى أحدهما، بل هو في حكم المسكوت عنه فلا دلالة في الآية على حكم الفاسق، وبعد فهذه إن سلم دلالة مفهوم من قبيل مفهوم الصفة وفي الأخذ به في الفرعيات الظنيات خلاف بين الأصوليين فكيف بالقطعيات المطلوب فيها العلم.
الآية السابعة: قوله تعالى: ?فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ o وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ o وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ o أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ?{الواقعة:8،9،10،11}، وذكر ما أعد لهم من النعيم الكبير، وأصحاب الميمنة وهم من دون السابقين من المسلمين، ثم وصف ما لهم من النعيم الذي هو دون نعيم السابقين، وأصحاب المشأمة، ثم وصف ما يصيرون إليه من العذاب الأليم، وعلل ذلك بأنهم كانوا يكذبون بيوم الدين، والفاسق ليس بمكذب فلا يكون معهم في العذاب، فلزم دخلوه في أصحاب الميمنة المذكورين في الآية.(1/1221)


قلنا: يلزم من هذا الاستدلال أن لا يعذب إلا من أنكر يوم الدين فيصير اليهودي والنصراني وغيرهما من سائر الكفار المقرين بالبعث أن يدخلوا الجنة مع أصحاب الميمنة، فإن عدلوا عن الظاهر فما هم أولى به منا، فنقول: أصحاب المشأمة جنس يعم الكافر والفاسق معاً، وذكر وصف أحد النوعين لا يلزم منه نفي النوع الآخر على أن قوله تعالى: ?إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ o وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ ?{الواقعة:45،46}، وصف يعم النوعين الكافر والفاسق وإن كان ما بعده خاصاً بالكافر فلا يقدح بالدلالة على ما قلناه، وغاية الأمر على التنزل أن لا دلالة في هذه الآيات على الحكم للفاسق بجنة ولا نار فلا متمسك فيها للمخالف.
الآية الثامنة: قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام : ?إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ?{طه:48}.
الآية التاسعة: قوله تعالى: ?وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ ?{سبأ:17}.
الآية العاشرة: قوله تعالى: ?كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ o قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ?{الملك:8،9}.
قلنا: هذه الثلاث الآيات لا حكم فيها بحكم للفاسق إلا بالمفهوم ولا اعتماد عليه فيما المطلوب فيه العلم سيما مع معارضته المنطوق.
فهذه العشر الآيات وأمثالها مما يكون شبهة لمن أنكر الوعيد على عصاة المسلمين سليمان بن مقاتل ومن معه، وقد أقمنا البراهين القطعية على وروده بما مر ولا دلالة في هذه الآيات على انتفائه عنهم، وغايتها الدلالة على إثبات الوعيد للكفار وعدم ذكر الفساق بنفي ولا إثبات إلا من جهة المفاهيم والظواهر المحتملة التأويل فلا عمدة عليها.(1/1222)


ما يتمسك به من أقر بالوعيد على أهل الكبائر
وأما ما يتمسك به من أقر بورود الوعيد على أهل الكبائر وقطع بتخلفه لشرط أو استثناء مقدر فآيات الغفران وآيات العفو وآيات الرحمة المطلقة عن القيد بالتوبة وقد دخل بعض منها في بعض العشر الآيات المذكورة:
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ?وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمْ الْعَذَابَ ?{الكهف:58}.
قلنا: المعنى لو يؤاخذهم في الدنيا وسوف يؤاخذهم في الآخرة، فأما كونه تعالى غفوراً وذو رحمة فمقيد بقوله تعالى: ?وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ ?{طه:82}، ?وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ?{الأعراف:156}الآيات.
الآية الثانية عشر: قوله تعالى: ?فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ?{البقرة:284}.
قلنا: مجمل لا دلالة فيه، إذ لم يبين من الذي يشاء أن يغفر له ولا من الذي يشاء أن يعذبه، وقد بين بأدلة العقل أنه لا يشاء أن يغفر أو يعذب إلا من استحق ذلك، وبأدلة السمع المذكورة وغيرها.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ?وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ?{التوبة:72}، والإيمان هو: التصديق، والفاسق مصدق فقد وعده الله جنات وإن عصى فهو مغفور له.(1/1223)


قلنا: الإيمان شرعاً هو: الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات كما سيأتي، فالوعد المذكور لمن اتصف بالإتيان للواجبات والاجتناب للمحرمات يدل على ذلك الآية المذكورة قبل هذه وهي قوله تعالى: ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ o وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ?{التوبة:71}،أي المذكورين الموصوفين بما ذكر.
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ?ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?{البقرة:52}.
قلنا: قوله تعالى: ? لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? دليل على أنه إنما عفا عنهم في الدنيا بأن لم يعجل عقابهم على ما فعلوه من قتل النفس وكتمان القاتل فأمرهم بذبح البقرة وضربه ببعضها ليحيا بإذن الله تعالى ويخبرهم من قاتله، ثم إن تابوا وندموا وشكروا سقط عنهم العقاب الأخروي وإلا فلا.
الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ?{آل عمران:155}.
قلنا: المراد عفا عن عقابهم في الدنيا، فأما في الآخرة فالدليل قائم على أنه لابد منه لمن لم يتب، بدليل قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ o وَمَنْ يُوَلهِمْ يَوْمئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ?{الأنفال:16،15}.(1/1224)


ما يتمسك به القائلون بوصول الوعيد على أهل الكبائر ودخولهم النار وخروجهم منها
وأما ما يتمسك به القائلون بوصول الوعيد على أهل الكبائر ودخولهم النار ثم يدعون خروجهم منها:
فالآية السادسة عشرة: قوله تعالى: ?فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ o خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ?{هود:106،107}، واستدلالهم على ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: تعليق بقائهم في النار بدوام السماوات والأرض وهي زائلة، وما علق بالزائل فهو زائل.
ثانيها: الاستثناء بقوله: ?إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ ? والمراد إخراج الفساق دون الكفار.
وثالثها: قوله: ?إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ? يعني: من أخرج البعض وهم الفساق وإبقاء البعض وهم الكفار.
قلنا: المراد بسماوات الآخرة وأرضها وهما دائمتان، إذ التعليق ببقاء سماوات الدنيا وأرضها مستحيل لأنه في ذلك اليوم قد انقضى وجودهما، والتعليق بما قد انقضى مستحيل، أو أن المراد التبعيد دون التوقيت تقول العرب: لآتينك ما دام ثبير وما دام أحد، وقال تعالى: ? حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ?{الأعراف:40}، وقال الشاعر:
وصار القارُ كاللبنِ الحقينِ

إذا شابَ الغرابُ أتيتُ أهلي(1/1225)

245 / 311
ع
En
A+
A-