وأما الفرقة الرابعة: الذين قالوا بالوقف والتجويز، فيبطله جميع ما يبطل أقوال الثلاث الفرق من الآيات المذكورة وغيرها من الآيات الناصة على دخول الفساق النار وخلودهم فيها، فلا معنى للوقف والتجويز فيما قد نص الله تعالى عليه وأخبر به على القطع، وإلا لجاز التوقف والتردد في جميع ما أخبر الله تعالى به من قصص الماضين وأحوال المعاد وصفة الجنة أو النار وغير ذلك، وذلك شك وريب فيما أخبر الله تعالى به، وهو لا يجوز إجماعاً لأنه لا يجوز الوقف والتجويز والتردد إلا فيما أخبر الله به على سبيل الإجمال ولم يفصله ويبين حقيقة أمره كقوله تعالى: ?قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ?{الإسراء:85}، وقوله تعالى في عدة أهل الكهف: ?سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ ?{الكهف:22}، أو فيما لم تقم عليه دلالة قاطعة كالقول بأن الجنة والنار قد خلقتا أو لم تخلقا، فأما ما قد قامت الدلالة عليه فلا يجوز الذهاب إلى التوقف في أمره وشأنه بل يجب الانقياد لما دل عليه الدليل الجاري على منهج السبيل.
لا يقال: إنما ذهبنا إلى التوقف والتجويز لتعارض الأدلة في هذه المسألة كما هو اللازم في كل ما وقع فيه التعارض في جميع المسائل الدينية.
لأنا نقول: هذا باطل من وجهين:
أحدهما: أن التعارض لا يدخل في القطعيات وأمهات المسائل الأصوليات كما هو مقرر في موضعه من أصول الفقه لتأدية ذلك إلى تناقض الدين وتدافع كلام رب العالمين وأحكم الحاكمين، وإنما يقع التعارض في الظنيات الفرعيات الشرعيات التي يصح عليها النسخ وتتعارض فيها الروايات وظواهر الأمارات.(1/1216)


الوجه الثاني: أنه لا تعارض يوجب التوقف في هذه المسألة لأن التوقف إنما يلزم عند تكافؤ الأدلة وعدم إمكان تأويل ما يدل على الآخر، فلا تعارض سيما إذا كان الدال على أحدهما لا يحتمل التأويل بحال كما مر في تعداد الآيات الخاصة بوعيد هذه الأمة، فإنها صرائح لا يمكن تأويلها، وما يستدل به المخالفون ليس إلا ظواهر منطوق ومفهوم من الآيات المتشابهة والأحاديث الآحادية التي لا تجوز معارضة القرآن بها ولا يسلم صحتها وتوثيق رواتها.(1/1217)


ما تمسك به المرجئة من الآيات والأحاديث والرد عليهم
ولنذكر جملة مما تمسك به المخالفون في هذه المسألة من الآيات والأحاديث ونتتبع كل آية أو حديث بما سنح من المقال الدال على أن لا دلالة لهم في ذلك، وإنما نذكرها هنا ما هو أقوى أدلتهم وأعظم متمسك لهم ليعلم به بطلان ما عداه مما لم نذكر، فنقول وبالله نصول:
الآية الأولى: ? إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا? {النساء:48}، وقد مر الكلام على هذه الآية في كيفية استدلالهم بها والرد عليهم بما فيه كفاية، وقررنا أنها مجملة لا دلالة فيها على مَدْعَاهم من غفران الكبائر بلا توبة وأنها لم تسق لهذا المعنى، وإنما سيقت للإخبار والتفضيع والمبالغة والتأكيد لقبح الشرك فليراجع.
الآية الثانية: قوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ?{الزمر:53}، ولم يشترط توبة فدخل الفاسق وهو المطلوب.
قلنا: ظاهر الآية متروك بالإجماع للزوم أنه تعالى يغفر الشرك وسائر أنواع الكفر بلا توبة فلا متمسك بظاهرها، بل يجب تأويلها بأن المعنى: يغفر الذنوب جميعاً مع التوبة، يدل عليه الآيات بعدها ?وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ?{الزمر:54}و قوله تعالى: ?وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ o أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ?{الزمر:55،56}، الآيات فدل على أن المراد: يغفر الذنوب جميعاً مع التوبة وإلا لكان إيراد هذه الآيات بعدها لغواً.(1/1218)


وبعد فالخطاب في هذه الآية للكفار فلا يدخل فيه الفساق، يدل على ذلك أول الكلام وآخره وهو قوله تعالى في أوله: ?قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ?{الزمر:53}، لأن الإسراف هو الزيادة الفاحشة في الطغيان وأنواع الكفر، ذكر الرازي والخازن وغيرهما من أهل التفسير: أن سبب نزول الآية أن وحشي قاتل الحمزة عليه السلام وغيره من كفار قريش كتبوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بعد وقعة بدر: إنا قد ندمنا على ما وقع منا من العصيان وقتل حمزة ونخشى أن لا تقبل توبتنا لكثرة ما وقع منا من المعاصي وأنواع الكفر، فأنزل الله تعالى: ?قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا?، وشرط التوبة والإنابة واتباع الكتاب إلى قوله تعالى: ?بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ ?{الزمر:59}،فعلم أن المراد بالخطاب هم الكفار.
لكن لهم أن يقولوا: إن العبرة بعموم اللفظ العام وهو قوله: ?يغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ? لا بخصوص سببه فيدخل الفاسق في العموم.
فنقول: نعم يدخل الفاسق في ذلك العموم، لكن القيد بالآيات المذكورة عقيب ذلك باشتراط التوبة راجع إلى الجميع فلا دلالة على الغفران في الآية من دون توبة.
الآية الثالثة: قوله تعالى:?وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ ?{الرعد:6}.
قلنا: ظاهرها متروك بالإجماع للزوم أن يغفر الشرك وغيره من أنواع الكفر فلابد من تقييد ذلك بالتوبة، فلا دلالة في الآية على غفران الكبائر من دونها.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ?وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ?{المائدة:15}.
قلنا: الصغائر والكبائر التي يتوب عنها كثير فتصدق الآية من دون ثبوت مدعى الخصم، فلا دلالة فيها على ما زعمه.(1/1219)


الآية الخامسة: قوله تعالى: ?فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى o لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى o الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى?{الليل:14،15،16}، فأخبر سبحانه وحصر وقصر أنه لا يدخلها إلا المكذب، والفاسق ليس بمكذب.
قلنا: لفظ نار نكرة وصفت بأنها تلظى، ولا عموم فيها فمسلم أن هذه النار الشديدة لا يدخلها إلا المكذب ويدخل الفاسق ناراً غيرها، وبعد فدلالتها على عدم دخول الفاسق النار إن كان من قبيل المنطوق فليس إلا من قبيل دلالة العموم وليست عند المخالف إلا ظنية، وإن كان من قبيل المفهوم كما هو الصحيح فقد قال بعدها: ?وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى o الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ?{الليل:17،18}، فيفهم منه أن الفاسق لا يجنبها لأنه ليس تقياً، وقد لا يكون مزكياً فتتناقض المفاهيم، فلم يبق إلا القول بأن الفاسق يدخل ناراً غيرها.
الآية السادسة: قوله تعالى: ?يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ o وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?{آل عمران:106،107}.
قالوا: فنص على أن الخلق يوم القيامة قسمين: قسم مُسودَّة وجوههم وهم الكافرون وليس الفاسق بكافر إجماعاً فلا يَسْوَّد وجهه فلا يذوق العذاب، فلابد أن يبيض وجهه فيدخل في القسم الأخير ?وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?، وهو الذي نريد.(1/1220)

244 / 311
ع
En
A+
A-