رد العدلية على أقوال المرجئة
ثم إذا تأملت ما يدل على قول كل فرقة على حالها لم تجد له دليلاً يخصه وينصر مذهب تلك الفرقة بعينه حتى يمكن أن يقال هو الحق دون سائرها، لذلك ترى المقبلي والجلال والسيد هاشم وغيرهم ممن أرجى من المتأخرين يحتج بحجج جميع المرجئة، ويجعلون النتيجة أنه تحت المشيئة، وينتصرون لما يدل على القطع بالعفو من دون توبة، ويوسعون القول في ذم الوعيدية، ويُجهدون نفوسهم في مناظرتهم وإبطال حججهم على أن قوله: إنه تحت المشيئة معناه التوقف كمذهب أبي حنيفة، ثم ترجيحهم العفو عن صاحب الكبيرة خروج منه، ثم انتصارهم له وجدالهم الوعيدية خروج عن الترجيح، ودخولهم في مذهب من قطع في الفساق بحكم من أهل الثلاثة الأقوال الأولة، فإما أن يكون مع القول بأنه لا وعيد على مسلم كما صرح به المقبلي في علمه الشامخ أو زوائده فذلك لحوق بمذهب مقاتل بن سليمان وأصحابه، أو مع القول بورود الوعيد والقطع بتخلفه فذلك لحوق بمذهب أبي شمر وأصحابه، وكلا المذهبين عندهم هو الإرجاء الأكبر المذموم، أو مع القول بوصول الوعيد إلى أهل الكبائر ودخولهم النار ثم الخروج منها فذلك لحوق بمذهب الأشعرية ومناف لقولهم هو تحت المشيئة، وبهذا يعلم صحة ما قلنا: إنه لا يستقر لهم مذهب مُعَيَّن ولا قول مُبَيَّن.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه لا دلالة على شيء من هذه المذاهب الأربعة أجمع، ولا برهان يخص أيها منير ألمع كما سنسرد ما احتج به جميعهم قريباً إن شاء الله بعد إنجاز غرضنا من هذا المبحث، وإذا كان الدليل على أي هذه الأربعة الأقوال كما سيأتي.
فنقول: بل قام الدليل القاطع على بطلان كل واحد منها بخصوصه، فاسمع هداك الله إلى الصواب، ووفقك إلى اتباع قرناء الكتاب وأمناء هذه الأمة من نزول العذاب:(1/1211)


أما الفرقة الأولى: القائلون بأنه لا وعيد على مسلم وأن كل مسلم ولو ارتكب جميع الكبائر لا عقاب عليه بل سيدخل الجنة وينعم فيها لا محالة، فيبطله قول الله تعالى: ?أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ?{آل عمران: 142}. ?أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ?{المعارج:38}، ?أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ?{ص:28}، ?أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ?{الجاثية:21}.
لا يقال: المراد بهذه الآيات عدم التسوية بين المؤمنين والكفار ولا تعرض فيها للفساق.
لأنا نقول: بل الآيتان الأولتان خاصتان بعصاة المسلمين لأن الكفار جاحدون للنار فلا حسبان لديهم ولا طمع عندهم في المصير إلى الجنة، والآيتان الآخرتان عامة في الكفار والفساق والحكم عليهم الجميع بعدم مساواة المؤمنين في دخول الجنة، لأن الفاسق من المفسدين في الأرض الفجار ومن الذين اجترحوا السيئات، فيدخل في تلك العمومات ونحوها من سائر الآيات البينات.(1/1212)


وأما الفرقة الثانية: الذين أقروا بورود الوعيد ثم ادعوا سقوطه بالعفو والغفران من دون توبة، فيبطله قول الله تعالى: ?فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ?{الأعراف:169}.
لا يقال: سياق هذه الآية في بني إسرائيل أمة موسى عليه السلام .
لأنا نقول: لا فرق بين أهل الكبائر من أتباع الرسل عليهم السلام لأن ما نسبة كل عاص منهم إلى الله وإلى كتابه ورسوله الذي أرسله إليه إلا كنسبة عصاة المسلمين سواء سواء، فإذا كان قول أولئك باطلاً وليس بحق فهو باطل وليس بحق من هذه الأمة لعدم الفارق.(1/1213)


وأما الفرقة الثالثة: الذين أقروا بدخول أهل الكبائر النار أو ادعوا خروجهم عنها، فيبطله قول الله تعالى حكاية عمن سبقهم إلى هذا المذهب من أهل الكتاب: ?وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ o بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?{البقرة:80،81}، وقوله تعالى: ?أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ o ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ?{آل عمران:23،24}، وقد تمحل أهل الإرجاء وتعسفوا في تأويل هاتين الآيتين بأنه إنما أنكر الله عليهم أنهم يقولون في الأيام المعدودات ستة أيام،وقيل ثمانية عشر يوماً وقيل غير ذلك من تعيين العدد بلا دلالة دون القول بالخروج من النار من دون عدد معين مدة البقاء فيها فهو قول صحيح.
قلنا: لم يحك الله تعالى عنهم هذا القول ولا شيئاً من تلك الأعداد فيستقيم التأويل، وإخراج الآيتين عن ظاهرهما بل صريحهما، وإنما الذي حكاه عنهم وعابه عليهم وحكم بأنه غرور وافتراء وتقول على الله تعالى هو نفس القول بالخروج، ثم ما أتبعه من الآية وهي قوله تعالى: ?بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ ? الآية، الكافر لأنه الذي أحاطت به خطيئاته دون الفاسق إذ لم تحط به خطيئاته.(1/1214)


لأنا نقول: الآيتان واردتان في فساق أهل الكتاب المقرين بالنبوة والبعث وليستا واردتين عن سبب يقتضي تكفيرهم سوى قولهم: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، وهذا لا قطع بكفر قائله، وإنما يقطع بخطئه وبطلان مقاله وفسق من أعرض ولم يجب إلى كتاب الله ليحكم بينهم، وحينئذ فما فساق من قبلنا من أهل الكتاب إلا كفساق هذه الأمة لما بيناه أن النسبة إلى الله وإلى الكتاب والرسول سواء، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وبعد فإن أريد بأحاطت به خطيئاته: في حق - الكافر أي أدركته جميع خطيئاته التي فعلها - فالفاسق كذلك، وإن أريد بأحاطت به: الإحاطة من كل الجهات ويكون - بمعنى أنه ارتكب جميع الخطيئات - لزم خروج الكافر عن هذا الوعيد وعدم تناول الآية إياه لأن أحداً من الكفار لم يرتكب جميع الخطيئات والمحرمات، فلم يبق إلا أن المقصود أدركته أو بقته أو غلبت خطيئاته على طاعته وهو الفاسق.(1/1215)

243 / 311
ع
En
A+
A-