والقسم الخامس: العصاة غير التائبين بقوله تعالى: ?وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ ?، أي مجوزون لأمر الله فيهم، وجوزوا الأمرين: إما أن يعذبهم، وإما أن يتوب عليهم أو مؤخرون لما أمرهم الله به من التوبة والإصلاح، ثم أخبر عن عاقبتهم بأنه تعالى إما أن يعذبهم وإما أن يتوب عليهم بحسب الحال إن تابوا تاب عليهم وإن لم عاقبهم، وأشار إلى معنى هذا التفصيل بحسب الحال بقوله عز من قائل: ?وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ? عليم بما سيكون منهم من توبة أو عدمها، حكيم بمعاملتهم بمقتضى الحكمة والعدل فيهم، ومما يدل على أن الإرجاء بمعنى التجويز والتأخير قوله تعالى حكاية عن الملأ من قوم فرعون قالوا: ?أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ?{الشعراء:36}، أي أَخِّر الحكم فيه إلى مجيء السحرة، ومن المعلوم أنهم لا يقولون ذلك إلا لجواز أو ظن بطلان ما جاء به موسى عليه السلام من تلك المعجزة الباهرة التي اقتضت عندهم تجويز صدقه وتجويز كذبه لكن سنكشف الحقيقة عند اجتماع السحرة للمناظرة.(1/1206)
الإرجاء والرجاء
الإرجاء
فظهر لك أيها الطالب الرشاد أن الإرجاء الحقيقي هو التجويز والتأخير، فلا معنى لقصر أهل التجويز الأحاديث الواردة في ذم المرجئة على من قطع بعدم الوعيد على عصاة هذه الأمة أو قطع بتخلفه، لأن الإرجاء لم يأت بمعنى القطع بل الإرجاء بالمعنى اللغوي صادق على أهل التجويز، لكنه لما سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن المرجئة فقال: " قوم يقولون: الإيمان قول بلا عمل "، وجب حمله وقصره على من ينفي كون الأعمال الصالحات من الإيمان، فإن كان في أهل التجويز من يقول بذلك دخل في زمرة المرجئة بالحقيقة الدينية، وإن لم، فلا يجوز تسميته مرجياً إلا بالحقيقة اللغوية، فظهر لك صحة ما قلنا: إنه يجمعهم الجميع القول بالإرجاء، وإن دار بينهم الاسم بالحقيقة الشرعية أو اللغوية.
الرجاء(1/1207)
وأما الرجاء: فهو الأمل لحصول الخير مع فعل مقتضيه من الطاعات من دون قطع وتزكية للنفس وإعجاب بما فعل منها، يدل عليه قوله تعالى: ?فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ? أي ثواب ربه ?فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ?{الكهف:110}، وقوله تعالى: ?وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ ?{النساء:104}، أي تؤملون من الخير ما لا يؤملون،وهو من الخصال الممدوحة وسيما الصالحين،وقد زعم أهل التجويز للعفو عن أهل الكبائر من دون توبة أن مذهبهم هذا هو الرجاء الممدوح،وقد علمت أنه بمعزل عنه فلا يَروعَنَّك تلبيسهم وتخليطهم الحقائق ومقابلتهم مذهبهم بالأياس والقنوط من رحمة الله تعالى الذي هو سيما القوم الكافرين، ودعواهم أن مذهبنا يؤدي إليه فذلك من باب التلبيس وخلط الحقائق وعدم الإنصاف وإهمال النظر والتدبر لآيات الله ومعاني ألفاظ وحي الله، لأنهم جعلوا الرجاء والإرجاء مادة واحدة وهو الإرجاء، وقسموه إلى قسمين: أكبر: وهو المذموم الذي وردت الأحاديث بذمه. وأصغر: وهو الممدوح ويعبر عنه بالرجاء أنه مُؤَدَّى مذهبهم واعتقادهم في تجويز العفو عن أهل الكبائر بلا توبة، وقد علمت أنهما مادتين مختلفتين كما بينا الاستشهاد على ذلك بالآيات الكريمة، ويؤيده من جهة القواعد العربية أن أَرجَأ رباعي فمضارعه: يُرجي - بضم حرف المضارعة وقلب همزة آخره ياء - لكنها تحذف عند إسناد الفعل إلى واو الجماعة للثقل، كما قال تعالى: ?مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ ?، لأن صيغة المضارع واسم الفاعل واحدة مع إبدال الميم بحرف المضارعة، ومصدر هذه المادة الإرجاء بإثبات الهمزة بعد آلة التعريف، وأما رَجَاءَ: فهو ثلاثي فمضارعة: يرجو - بفتح أوله وهو حرف المضارعة وقلب همزة آخره واواً - لكنها تحذف عند إسناد الفعل إلى واو الجماعة لتوالي الأمثال، ومصدر هذه المادة: الرجا بلا همزة في أوله، فعلمت أنهما مادتين مختلفتين(1/1208)
وبابين غير مؤتلفين لا في اللفظ ولا في المعنى، وإنما ذلك الخلط والتقسيم بناءً وتفريعاً على المذهب الفاسد والاعتقاد الكاسد.
لا يقال: بل قول أهل التجويز يؤول إلى الرجاء الممدوح وهو الأمل للغفران ولو من دون توبة، وغايته: خطؤهم بتسميته إرجاء أصغر.
لأنا نقول: إن الأمل من دون عمل يقتضي المؤمل من الخير ليس إلا أماني فاسدة ومخايل لا تعود بفائدة، لأن الله تعالى يقول: ?فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا ? الآية، وهؤلاء يؤملون الغفران مع الاستمرار والإصرار على العصيان، فظهر لك أيها المسترشد ما عليه (القوم) من البطلان.(1/1209)
أقوال القائلين بالإرجاء
وإذا قد عرفت أن المخالفين على أربعة أقوال:
الأول: القطع بعدم ورود وعيد على أحد من المسلمين وهذا قول مقاتل بن سليمان ومن معه، وحملوا كل لفظ عام نحو: ?ومن يعص الله ورسوله ?، ?إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون ?، ?وإن الفجار لفي جحيم ?، أن ليس المراد به إلا الكفار وإن كان اللفظ فهو عام مراد به الخاص.
الثاني: القطع بتوجه الوعيد ووروده على عصاة المسلمين ثم يَدَّعون أنه مشروط في المعنى فيقولون في قوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ?{النساء:93}، إن جازاه أو إن لم يعف عنه، أو تقدير استثني، وأن المراد: إلا أن أعفو عنه، وهذا قول أبي شَمَّر من المعتزلة ومن وافقهم، وينظر هل يقطعون بتخلفه أيجوزون ذلك؟
القول الثالث: القطع بورود الوعيد على الفساق ووصوله إليهم، ثم يقطعون بانقطاعه عنهم وخروجهم من النار، وهذا قول زرقان من المعتزلة وهو قول الأشعرية والمحدثين.
القول الرابع: التوقف في شأن عصاة المسلمين الفساق، ولا يعلم حكمهم بل يُجَوَّز دخولهم النار وعدمه وتخليدهم وعدمه، وهذا مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، وهو قول طائفة من المتأخرين ممن يتسم بأنه من أهل السنة، ويقولون هو تحت المشيئة لكنهم يرجحون العفو ويحتجون له بحجج سائر المخالفين، فلا يستقر لهم مذهب مُعَيَّن ولا قول مُبَيَّن.
وأنت خبير بأنه لا بد من الدليل القطعي على من ذهب إلى أي هذه الأقوال الأربعة، وأن كل فرقة منهم لا يصح لها الاحتجاج بما هو حجة للأخرى لما بين هذه الأقوال من التنافي والتناقض والاختلاف، وإن جمعها الجميع القول بالإرجاء وعدم القول بخلود الفساق في النار.(1/1210)