لا يقال: قد ذكر في وسط الكلام ما هو من شأن الكفار وهو استحلال الربا بقوله: ?ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى ?{البقرة:275}الآية.
لأنا نقول: إن الكلام السابق وهو قوله تعالى: ?الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ? لا يختص الكفار حتى يلزم حمل الوعيد عليهم وحدهم، بل هو - أي الموصول - وصلته وصف مشترك بين الكفار والمسلمين المربين، ثم الوعد لمن انتهى والوعيد لمن عاد عام للصنفين، لكنه عز وجل لما عقب هذه الآية بقوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ o فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ ?، دل على أنه أراد بالوعيد السابق آكلي الربا من هذه الأمة، لأن الكافر هو معذب على كفره، فلو انتهى عن أكل الربا لم يغفر له ما سلف، فدل على أن المراد بقوله تعالى: ?فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ? المسلم الذي يأكل الربا، ومثله من سمع هذا الوعيد من الكفار وهو يأكل الربا فأسلم وانتهى عن أكله فله غفران ما سلف من أكل الربا وغيره، فعلم من هذا أن المراد بقوله: ?ومن عاد ? هو من عاد إلى أكل الربا من هذه الأمة ممن أكل الربا قبل إسلامه أو بعده، ولا يمكن حمل المعنى على أن المراد: ومن عادإلى الكفر أو إلى أكل الربا من الكفار أو إلى استحلاله لخروج الكلام عما سيقت له الآية وهو أكل المسلم الربا ولتقدم الجملة المذكورة فيمن انتهى، فيجب أن يحمل قوله: ?ومن عاد? عليها فيكون المعنى: ومن عاد ممن انتهى عن أكل الربا من المسلمين إلى أكله، ويدل عليه ما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " لئن يزني الرجل خمساً وثلاثين زنية أهون من أن يأكل درهماً من ربا "، مع ما ورد في(1/1186)


الوعيد على الزنا بالخلود في النار نسأل الله السلامة.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ o وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ?{الأنفال:15،16}.
الآية السادسة: ?وَمَنْ يَظلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ?{الفرقان:19}.
الآية السابعة: قوله تعالى: ?إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا إلى قوله: ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?{المائدة:33}.
لا يقال: المراد الكفار للإجماع على أن أحكام المحاربين والساعين في الأرض فساداً من هذه الأمة مأخوذة من هذه الآية.
الآية الثامنة: قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?{المائدة:94}.
الآية التاسعة: قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ?{المائدة:95}.
الآية العاشرة: قوله تعالى: ?وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ?{المائدة:96}. كل ذلك وعيد لمن اعتدى من هذه الأمة في الصيد المحرم.
لا يقال: ليس فيهما - أي الآيتين - وعيد بالنار والخلود فيها.(1/1187)


لأنا نقول: السابق إلى الفهم من العذاب الأليم والانتقام هو النار نعوذ بالله منها، ولأنا أردنا بإيراد هذه الآيات الرد على من أنكر ورود الوعيد على عصاة هذه الأمة، ولأنا قد قدمنا في صدر المسألة أن الذي يلزمنا هو إقامة الدليل على دخول الفساق النار دون الخلود، فاللازم على الخصم إقامة البرهان القاطع على الخروج، ولا آية في الكتاب ولا حديث متواتر يدل عليه بل يستحيل وجود ذلك وصحته عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لتأديته إلى معارضة الآيات المذكورة فيؤدي إلى تعارض القطعيات وهو لا يجوز كما سبق في الأصوا المتفق عليها.
الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ?وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ إلى قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ?{النساء: 2إلى10}، وهذه الآية وإن كان ظاهرها أنها من الضرب الأول إلا أن ما قبلها من الخطاب للمسلمين أوجب إدخالها في الضرب الثاني، وعلى التنزل أنها من الضرب الأول فدخول آكلي أموال اليتامى من المسلمين مندرج فيها ومراد قطعاً، لأن دخول السبب إلى الخاص تحت العام الآتي بعده لا خلاف فيه بين أهل الأصول.
الآية الثانية عشرة: قوله تعالى: ?فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ o الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ o الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ o وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ?{الماعون:4،5،6،7 }، فإنها وعيد لمن ضيع صلاته ولم يحافظ عليها وراءى بأعماله ومنع الزكاة من هذه الأمة.(1/1188)


الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجميع أمته: ?فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ o وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ ?{هود:112،113}.
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ?يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ?{النساء:11}، ثم حكى فرائض المواريث ثم قال فيها: ?تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ?، ثم توعد من خالفها بقوله: ?وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ?{النساء:14}.
وهذا وإن كان عاماً في من تعدى حدود الله للكافر والمؤمن أو من جهة أن الجمع المضاف يعم جميع الحدود، فالقصد من إيراد هذه الآية داخل في الوعيد قطعاً كما مر من أن ما كان سبباً لمجيء العام فهو مراد قطعاً، وأما كون الجمع المضاف يعم فلا يقدح وإلا لزم أن لا يدخل في هذا الوعيد إلا من ارتكب جميع المعاصي، وأن من ارتكب الشرك وحده أو عبادة الأصنام فقط أو قتل الأنبياء فقط أو نحو ذلك لا يدخل النار، والإجماع على خلافه، فالمراد: ومن يتعدَّ أي حد من حدوده جميعاً فالعموم مراد من جهة التحذير عن جميعها لا من جهة تعليق الوعيد على اجتماعها.(1/1189)


الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ?{التحريم:6}، فليس المراد من هذه الآية إلا الوعيد الشديد على المؤمنين، وأمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم هذه النار وليس إلا بالمحافظة على فعل الواجبات واجتناب المحرمات، وإلا لما كان لتوعدهم بهذا الوعيد معنى إن كان مصيرهم إلى الجنة مع ضياعهم الواجبات وارتكابهم المحرمات.
فهذه خمس عشرة آية في وعيد عصاة المسلمين مضافة إلى الخمسة عشرة التي مرت عامة لهم وللكفار، فتكون الجملة ثلاثين آية مما خطر على البال من الآيات الكريمة البينات والحجج العظيمة النيرات.
وإنما أردنا التنبيه لك أيها الطالب الرشاد لتعلم كم نبذ القوم وراء ظهورهم من آية واضحة وحجة من كتاب الله لائحة، مع أنه يكفي في إثبات مدعانا آية واحدة منها فكيف والقرآن العزيز مملوء بالوعيد الشديد على العصاة من هذه الأمة، كما هو مملوء بالوعد لمن أطاع منهم، بل آي الوعيد والنواهي والزواجر أكثر من آيات الوعد والأوامر والبشائر.
فتدبر إن كنت ممن يتدبر وإلا فأعد جواباً للسؤال في يوم المحشر، ومن لم ينتفع بكتاب الله لم تنفعه حجة ولا تتضح له محجة.(1/1190)

238 / 311
ع
En
A+
A-