أما مسائل التوحيد ومسائل العدل فكما مثل ونحو ?وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ?{الفرقان:2}، ونحو: ?وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?{الملك:1}، إلا أن هاتين الآيتين مخصصتان بالعقل، الأولى بأفعال العباد وذاته عز وجل، والثانية بذاته المقدسة فقط، والآيتان الأولتان على عمومهما لا تخصيص فيهما، فدلالة عموم هذه الآيات على كل فرد من أفراد العموم قطعية بلا نزاع، الأولتان في كل فرد، والآخرتان في كل فرد بعد التخصيص بما ذكر.
وأما مسائل النبوة والإمامة فنحو:?قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ?{الأعراف:158}، ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ?{النساء:59}، فإن الأولى عامة لجميع الناس إلا ما خصه الدليل كالصبي والمجنون، والثانية عامة لجميع المؤمنين بطاعة جميع أولي الأمر منهم إلا ما خصه الدليل، نحو: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ونحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من كنت مولاه فعليٌّ مولاه "، فإنه عام لكل مسلم إذ ما من مسلم إلا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مولاه، وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه "، فإنه عام لكل من والى علياً عليه السلام ولكل من عاداه.
وأما مسائل الوعد والوعيد: فهي التي تحتاج إلى مزيد نظر وإمعان سديد، وقد قال جماعة من أهل العدل: بأنها في الوعد ظنية، وفي الوعيد قطعية، وهذا أدخل في التحكم لنصرة المذهب سيما مع عدم التكلم في سائر مسائل الاعتقاد المذكورة أو إطلاق القول أنها ظنية فيها ما عدا الوعيد.(1/1181)


والحق الحقيق بالتحقيق: أنها قطعية فيهما أعني في الوعد والوعيد معاً، وأن دلالته على الباقي بعد التخصيص في أيهما قطعية، ولا بد للخصوم من هذا وإلا ألزمناهم ما لا قِبَل لهم به من الإشكالات والمحالات التي لا محيص لهم عن ارتكابها أو الرجوع إلى الحق، والذي يدل على أن دلالة العموم على كل فرد من أفراده في جانبي الوعد والوعيد قطعية، لأنا لو لم نقل بذلك لزم أن لا نعتقد أن أحداً في الجنة غير من نص الله عليه بذاته أو علم من الدين ضرورة أنه سيصير إليها كالنبي، فيلزم الاستكفاء في الدلالة على ذلك بالظن، و?إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا? {يونس:36}، فلا يجوز الاعتماد عليه، فإما أن ينتقل عنه إلى القول بأن دلالة العموم على الأفراد قطعية، فهو الذي نقول أو إلى التوقف وتجويز الأمرين وذلك كفر بلا ريب، لأنه شك في مصير المؤمنين إلى الجنة، وكذلك القول بمصير الكفار إلى النار يلزم أن لا نعتقد أن أحداً فيها سوى من نص الله عليه بذاته كإبليس اللعين وأبي لهب إن سلم أن الآية خبراً عن مآله، وإلا فقد قدمنا في باب العدل عدم تسليم ذلك، وأن الآية إنما وردت وعيد عليه مشروط بعدم وقوع إيمانه بعد نزولها، وكفرعون وهامان وثالث أو رابع لهما على الخلاف في أقل الجميع لقوله تعالى: ?يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ ?{هود:98}، ومن عدا هؤلاء من الكفار يلزم الشك في مصيرهم إلى النار وهو كفر أو الحكم عليهم بمجرد الظن وهو باطل أيضاً كما مر.(1/1182)


فإن قيل: فهذا الإلزام وارد عليكم لأنكم تقولون لا قطع بمصير مسلم معين إلى الجنة إلا المعصوم ومن علم أنه مات مستقيماً على الإيمان، ولا قطع بمصير كافر معين إلى النار إلا من علم أنه مات على الكفر، والعلم بموت المسلم على الإيمان أو الكافر على الكفر مما لا طريق لنا إليه فيلزم الشك فيه أو العمل في حقه بالظن، ثم كذلك في كل مسلم وكل كافر، فيحصل الشك أو العمل بالظن في جملة المؤمنين وجملة الكفار، سوى من نص عليه الشارع بذاته، فما أجبتم به فهو جوابنا.
فالجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: وهو نقض السؤال، وذلك أنا ألزمنا الخصم الشك أو العمل بالظن في جملة المؤمنين المقطوع بإيمانهم، وجملة الكافرين المقطوع بكفرهم، وما أورده السائل يعود إلى الشك أو العمل بالظن في شخص معين هل دخل في جملة المؤمنين أو في جملة الكافرين، وأين أحد الإلزامين من الآخر ؟ فلا يرد علينا السؤال فتأمل.
الوجه الثاني: وهو الحل بإيضاح الجواب على فرض صحة السؤال وإن كان لا يلزمنا إلا على سبيل التفضل، وذلك أنا نقول: إن قول السائل: وكذلك في كل مسلم وكل كافر الخ. غير مسلم لأنه لا يلزم أن يقال ذلك في كل فرد من أفراد المسلمين أو أفراد الكافرين بمقتضى قود مذهبنا أن دلالة العموم في الوعد والوعيد على كل فرد قطعية إلا مشروطاً بأنه لم يكن في علم الله من جملة المؤمنين أو جملة الكافرين، فلا يلزم من ذلك العمل بالظن أو الشك في مصير جميع المؤمنين إلى الجنة ومصير جميع الكافرين إلى النار سوى من نص عليه الشارع بذاته فتأمل.(1/1183)


وعلى مقتضى قود مذهب الخصم أن الدلالة ظنية الإلزام لازم ولو فرضنا ذلك في شخص معين قد أخبرنا الله بأنه يموت على الإيمان أو على الكفر ولم يخبرنا بأنه إلى الجنة أو إلى النار بخصوصه، بل قال بعد ذلك وكل مؤمن في الجنة أو كل كافر في النار فلا يدخل هذا الشخص المعين تحت هذا العموم إلا ظناً، ثم كذلك في كل شخص ممن لم ينص الشارع على مآله بذاته فيؤدي إلى الشك أو العمل بالظن في مصير جملة المؤمنين إلى الجنة ومصير جملة الكافرين إلى النار سوى من نص عليه بذاته وهذا واضح لا غبار عليه، وحينئذ فلا بد من القول بأن دلالة العموم في جانبي الوعد والوعيد على مفرداته قطعية كما في غيرهما من مسائل أصول الدين ومسائل أصول الشريعة نحو أن الكتاب والسنة والإجماع حجة على كل مكلف، وأن الصلاة ونحوها واجبة على كل مكلف، وكذلك إقامة الحدود وغيرها من الأحكام القطعية كوجوب المهر والبينونة بالطلاق البائن وإثبات المواريث ونحو ذلك، وإلا لزم أن يبعث الله تعالى إلى كل إنسان بخصوصه كتاباً ونبياً لأنه لا يلزم الدخول في الإسلام بالرسول العمومي والكتاب الذي جاء به إلا ظناً و?إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا?، فلا قطع بهلاكه إذا أعرض عن الإجابة.(1/1184)


الأدلة على كذب من قال: إنه لا وعيد على أحد من هذه الأمة
وأما الضرب الثاني: وهو الوعيد الخاص بفساق هذه الأمة، وإنما أفردناه بالذكر ليعلم كذب من قال: إنه لا وعيد على أحد من هذه الأمة.
الآية الأولى: قوله تعالى: ?يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا o وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ?{النساء:29،30}.
الآية الثانية: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ o وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ?{آل عمران:130،131}.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ o فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ?{البقرة:278،279}.
لا يقال: ليس في هذه الآية وعيد بالنار.
لأنا نقول: الآية التي قبلها في أكل الربا وهي قوله تعالى: ?وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ?، تبين الحرب المجمل في هذه الآية لما كانت الآيتين في شأن معصية واحدة وهي أكل الربا.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ?الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ إلى قوله: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?{البقرة:275}.(1/1185)

237 / 311
ع
En
A+
A-