الآية السابعة: قوله تعالى ?وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى o فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى?{النازعات:40،41}، فلم يجعل الجنة مأوى إلا للمؤمن الذي هذه حالته، والفاسق بخلاف هذا الوصف فلا حَظَّ له في دخول الجنة، ودلالة هذه الآية مفهوماً، ودلالة التي قبلها منطوقاً صريحاً، فلو دخل الفاسق الجنة لناقض منطوق الأولى ومفهوم الثانية، وكلام الله تعالى مصوناً عن التناقض والكذب اللازم عنه.
الآية الثامنة: قوله تعالى: ?إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا o لِلْطَّاغِينَ مَآبًا o لابثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا?{النبأ:21،22،23}، والطاغي يعم الكافر والفاسق، وقد حكم بأن جهنم مآب الطاغي فلو دخل الجنة لكانت هي المآب فيلزم التناقض والكذب، وقولهم: الحُقُب ثمانون سنة، وأقل الجمع اثنان أو ثلاثة، فيحمل عليه لأنه المتيقن مردود بعدم التسليم أن الحقب ثمانون سنة، بل هو اسم لقطع من الزمن غير محدود، وإن سلم فلم يقل أحقاباً متناهية المقدار فلا يتم الدليل، وقولهم: يحمل على الأقل لأنه المتيقن مردود بلزوم التناقض بين هذه الآيات وغيرها مما مر وغيره مما يدل على الخلود.
الآية التاسعة: قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ?{البقرة:174}.
الآية العاشرة: قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لا خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?{آل عمران:77}.(1/1176)


الآية الحادية عشرة: قوله تعالى: ?وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ?{الرعد: 25}.
الآية الثانية عشرة: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاعِنُونَ ?{البقرة:159}.
الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاعِنُونَ ?{البقرة:159}.
وهذه الأوصاف المذكورة مشتركة بين الكفار والفساق، بل الظاهر منها أنها وعيد لمن فعل ذلك من هذه الأمة، لكن حملنا ما هو من ألفاظ العموم على عمومه، وقد توعد كل من اتسم بشيء منها بأكل النار، وعدم التكليم، والنظر إليه بالرحمة، وعدم التزكية، وأن له العذاب الأليم، وبأن له اللعنة وله سوء الدار وهي النار، فلو أدخله الجنة لكذبت هذه الآيات كلها لأن الفعل المضارع المنفي يكذب مخبره بوقوع المنفي ولو في وقت واحد، والعذاب الأليم في الآيتين الأولتين التاسعة والعاشرة وإن لم يذكر معه خلود فيه وتأبيد، فالدليل عليه ما ذكر قبله من الأفعال المضارعة المنفية ونفي الخلاق لهم في الآخرة.
الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: ?مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ o أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ?{هود:15،16}.(1/1177)


وهذا الوصف يعم الكافر والفاسق، بل يتناول المؤمن لأنه ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها لكنه يريد ذلك من وجه الحل للإجماع بأن له الثواب في الآخرة، فاللفظ وإن تناوله بعمومه فهو مخصوص بآيات الوعد له بالجنة التي هي مستند الإجماع، فيبقى الكافر والفاسق تحت ذلك الوعيد الشديد أن ليس له في الآخرة غير النار ذات الوقيد.
الآية الخامسة عشرة: قوله تعالى: ?مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ o وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ?{النمل:89،90}، والفاسق أتى بالسيئة كالكافر.
لا يقال: وقد أتى بالحسنة وهي الإسلام فليس بأن يدخل في عموم الجملة الأخيرة أولى من أن يدخل في عموم الجملة الأولة.
لأنا نقول: قد شرط الله سبحانه في النجاة بالدخول في الإسلام الاستقامة على أوامره ونواهيه لقوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا?{فصلت:30}، والفاسق المصر حتى مات على فسقه لم يستقم كما أمره الله سبحانه، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في العصاة أعم من أن يكونوا كفاراً أو فساقاً فيدخل فيها الصنفين جميعاً، لأن اللفظ العام يجب حمله على جميع ما تناوله ولا يجوز أن يخرج منه شيء بغير دليل، ولم يدل الدليل على إخراج من عدا التائب وصاحب السيئة الصغيرة، فصاحب الكبيرة غير التائب باق في الوعيد قطعاً.
لا يقال: إنما دخل الفاسق في الوعيد بهذه الآيات أو غيرها بدلالة العموم وهي ظنية، أو أن العام بعد تخصيصه تبقى دلالته على الباقي ظنية، ولا دلالة قطعية تخص الفاسق بالوعيد بالنار والخلود فيها.
لأنا نقول: هذا الإيراد باطل قطعاً لاستلزامه ما هو باطل إجماعاً من عدم القطع بدخول الكفار النار، لأن هذه الآيات المذكورة إنما تناولت الكفار بدلالة العموم ولأنها قد خصصت بالتائب وصاحب الصغيرة.(1/1178)


فلو قيل: دلالة العموم على الباقي ظنية، ولا يؤخذ بالظني فيما المطلوب فيه العلم لبطل معنى هذه الآيات رأساً، وإن رجع في تخليد الكافر في النار إلى الآيات الواردة في وعيد الكفار خاصة فالقول بما يؤدي إلى إلغائه وتعطيل فائدته، وإن كان هذا السؤال باطل بما ذكرناه من الجواب الإلزامي، فلا يلزمنا الجواب عليه بالحل الإقناعي إلا على سبيل التفضل.
فنقول: أما قول السائل إن دلالة العموم ظنية أو أن دلالته على الباقي بعد التخصيص ظنية فلا يسلم له ذلك، لأن علماء الأصول اختلفوا في دلالة العام على كل فرد من أفراده أو كل نوع من أنواع جنسه فقيل ظنية مطلقاً، وقيل قطعية مطلقا، وقال بعض أهل العدل ظنية إلا في الوعيد فقطعية. والأظهر والله أعلم: أن هذه الأقوال غير صحيحة أما الأولان: فلإطلاقهما في كل عام، وقد علمنا أن بعض العمومات قطعية الدلالة على كل فرد كقوله تعالى: ?وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?{التغابن:11}، ?إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ? {النساء:40}، وعلمنا أن بعض العمومات لم تتناول بعض المفردات نحو: ?وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ?{النمل:23}، ?وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ?{النمل:16}.(1/1179)


فعلم بطلان الإطلاقين المذكورين ولزم تفصيل مطابق لما ذكر من الآيات ومطابق للدليل العقلي، وأما القول الثالث: وهو أنها ظنية إلا في الوعيد فهي قطعية، فهو وإن كان صحيحاً بالنظر إلى استثناء الوعيد فهو باطل بالنظر إلى الحكم على أن كل ما سوى الوعيد من العمومات فدلالته على مفرداته ظنية وهو باطل بما ذكرناه من الآيتين: ?وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ?، ?إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ?، فإن دلالتهما على كل فرد قطعية وليسا من باب الوعيد بل الأولى من باب التوحيد والثانية من باب العدل، فالأولى تفصيل غير هذا التفصيل وهو أن يقال: دلالة العموم على مفرداته ظاهرها يتناول كل فرد من المفردات، ودلالة الظاهر ظنية لكن لما تتبعنا الأفراد واستقريناها علمنا أن بعضها دخل تحت العموم قطعاً ولا مناكرة فيه كما مثل في الآيتين المذكورتين، وبعضها خرج قطعاً ولا مناكرة فيه كما مثل في الآيتين الآخريين، فإن المعلوم أن بلقيس وسليمان عليه السلام لم يؤتى أحد منهما شيئاً من الملائكة والعالم العلوي وكثيراً مما في العالم السفلي كما في بطون البحار وسائر القفار، فالأولى تفصيل خلاف التفصيل المذكور لما ذكرنا عليه من الاعتراض، ولأنه معترض أيضاً بأنه تحكم لتنبني عليه مسألة النزاع، فيقال دلالة العموم من حيث هي ظنية إلا في مسائل الاعتقاد التي كلف الله الخلق العلم بها ثم خاطبهم فيها بخطابات عامة، فدلالتها على كل فرد من أفراده قطعية، فيشمل مسائل التوحيد ومسائل العدل ومسائل النبوة والإمامة ومسائل الوعد والوعيد دون مسائل الوعيد وحده.(1/1180)

236 / 311
ع
En
A+
A-