يزيده وضوحاً أن الغفران مجملٌ في هذه الآية ما ذكره الفقيه يوسف رحمه الله في مقدمة الثمرات: أن من صور الإجمال استثناء المجهول من المعلوم، ومثَّل له بقوله تعالى: ?وَأُحِلَّتْ لَكُمْ الأَنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ?{الحج:30}، فإنه قد كان الكلام قبل الاستثناء مبيناً عام التحليل لكل الأنعام، فلما اتصل به الاستثناء المجهول من حيث أنه في هذه الآية لم يبين ماذا الذي يتلى تحريمه صار الكلام كله مجملاً في المستثنى وفي المستثنى منه، فلم يعلم بعد ذلك أي الأنعام هو الحلال ولا أيها هو الحرام حتى بين بآية تحريم الميتة والنطيحة والمتردية الآية، فكذلك هذه الآية لا يعلم منها بعد التقييد بشرط المشيئة ما هو المغفور ولا من هو المغفور له، لأن الشرط والاستثناء على سواء في أنهما قيد لما أطلق قبلهما، فصارت هذه الآية وآية الأنعام في الإجمال نظير قولك كل بني فلان في الدار، فإذا قلت بعد ذلك: وقد خرج بعضهم دخل الإجمال فيمن بقي كما دخل فيمن خرج، فلا دلالة بعد ذلك على تعيين من خرج ومن بقي إلا بدليل آخر من مشاهدة أو خبر آخر معين من خرج ومن بقي، وهذا واضح لمن تبصر وأنصف دون من تعامى وتعسف، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.(1/1171)


ولقد أكثر أهل الإرجاء على طبقاتهم من التشبث بهذه الآية الكريمة، وزخرفوا استدلالهم بها بزخارف لا تنفق إلا عند غبي جاهل أو عمِي عن الحق مائل نحو ما ذكره المَقْبَلِي في العلم الشامخ أو زوائده الأرواح النوافخ فقال ما معناه: إن الله تعالى ذكر هذه الآية مرتين في سورة واحدة وهي سورة النساء ليؤكد الدلالة على أن صاحب الكبيرة تحت المشيئة ولا دليل على دخوله النار وخلوده، وقال: إنك لا تجد آية في كتاب الله واردة في وعيد أحد من أهل الصلاة، وإنما هي عمومات مراد بها الكفار ولا تتناول عصاة المسلمين البتة، هذا لفظه أو معناه، وكذلك ما ذكره الجلال في حاشيته على القلائد والسيد هاشم بن يحيى في تعليقه على الحاشية، فإنهما أكثرا من الكلام على هذه الآية بما لا طائل تحته، وخلاصة كلامهما: أنه كما صح للوعيدية أن يفسروا قوله تعالى: ?لمن يشاء ? بالتائب وصاحب الصغيرة صح لغيرهم أن يفسره بالعفو من دون توبة، قال السيد هاشم: لتواتر أحاديث الشفاعة والعفو عن عصاة هذه الأمة من دون فرق بين صاحب الصغيرة والكبيرة، وقَسَّمَا الإرجاء إلى قسمين:
أكبر: وهو المذموم الذي وردت الأحاديث بذمه نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي القدرية والمرجئة "، وهو إرجاء مقاتل بن سليمان وأصحابه ممن قطع بتخلف وعيد عصاة هذه الأمة.(1/1172)


وإرجاء أصغر: وهو الممدوح، ويعبر عنه بالرجاء وهو تجويز العفو وتجويز عدمه، قالوا: ووجه كونه ممدوحاً أن خلافه وهو القطع بوصول العقاب يؤدي إلى القنوط والأياس من رحمة الله تعالى، وذلك من سمة الضالين والكافرين، ونقل السيد الحسن بن أحمد الجلال عن أمير المؤمنين عليه السلام وغيره من قدماء أئمتنا عليهم السلام أقوالاً وأدعية في طلب العفو، واستدل بها على صحة ما يدندن حوله من حسن العفو عن صاحب الكبيرة من دون توبة، واحتج له أيضاً بأنه مقتضى قول البصرية ومن وافقهم من الزيدية من حسن العفو عن العاصي عقلاً، ونحو ذلك من التخليطات والمغالطات التي لا تصدر إلا عمن لا يجد إلى الاستدلال الصحيح لمطلوبه دليل ولا إلى العلم به سبيل.
ولعظم البلوى بهذه المسألة ينبغي تحقيق القول فيها في جميع الأطراف المتعلقة بها من مقالات الفريقين، ليعلم المطلع أي الفريقين أحق بالأمن وأي الأقوال هو أقرب إلى جانب الوفاق من الأصول المتفق عليها، وأنه هو المؤيد لها، والذي يعود عليها بالتقوية والتأييد، وأيها هو الأبعد عن الوفاق لتلك الأصول،وأنه هو المناقض لها،والذي يعود عليها بالتشكيك والتفسيد، فما كان موافقاً ومؤيداً وسليماً عن مناقضة الأصول المتفق عليها علم أنه الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، وما كان لا يوافق تلك الأصول بل يناقضها أو يفضي إلى التشكيك فيها علم أنه الباطل الحري بأن يزهق ويزال، وهذه قضية ضرورية عقلية وشرعية ليس لمخالف ولا لموالف أن يحيد عنها قيدَ شبر إلا من اتبع هواه واستحوذ عليه الشيطان وأطغاه، وحينئذ فلنجعل الكلام في هذه الجملة تشتمل على مطالب:
المطلب الأول: في ذكر بعض الأصول المتفق عليها بين الفريقين ولم يقع فيها خلاف بين اثنين:
الأصل الأول: أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم مصون عن الكذب والشك فيه والتناقض.
الأصل الثاني: أن الله تعالى لا يفعل العبث ولا غيره من سائر القبائح.(1/1173)


الأصل الثالث: أن الإغراء بالمعاصي من جملة القبائح، وهذه الثلاثة الأصول ترجع إلى أصول الدين وهي معلومة من الدين ضرورة.
الأصل الرابع: أن القطعي المعلوم مقدم على الظني والموهوم.
الأصل الخامس: أن العام دلالته على كل من مفرداته من دلالة المنطوق الصريح وإن دارت بين قطعي وظني متناً أو دلالة.
الأصل السادس: أن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كله حجة يجب العمل به، ولا يجوز اتباع بعضه وإلغاء البعض الآخر وعدم الالتفات إليه.
الأصل السابع: أن إذا ورد ما ظاهره التعارض والتناقض، وجب رد ما يحتمل التأويل من تلك الظواهر والمتشابه إلى ما لا يحتمل التأويل من الصرائح والمحكم بأي وجه أمكن من وجوه التأويل أو الترجيح، فإن لم يمكن تأويله البتة وجب رد مقتضاه من التعارض والله أعلم بصحة متنه من عدمها، وهذه الأربعة الأصول الأخيرة ترجع إلى أصول الفقه ولا خلاف بين أئمة الأصول في واحد منها.
إذا عرفت ذلك فلنُرَدِّد جميع أطراف هذه المسألة على هذه السبعة الأصول فما وافقها أو بعضها من دون مخالفته لباقيها علم أنه الحق بلا مرية، وما خالفها أو بعضها علم أنه هو الباطل وذو الفرية.
المطلب الثاني: في ذكر أدلة كل من الفريقين، ولكن هذا أمر لا يمكن الإحاطة به والاستقصاء لكل ما فيه دلالة لأحد الفريقين لكثرة الآيات والأحاديث التي يتمسك بها كل لما ذهب إليه، فلنذكر جملة كافية في ذلك تدل على أن ما سواها من كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم لا يناقض النتيجة الحاصلة عنها سواء كانت تلك النتيجة هي مذهب هؤلاء أو مذهب هؤلاء، ومن المعلوم الضروري استحالة إنتاجها كلا المذهبين جميعاً ومدعى الفريقين معاً لما في ذلك من التناقض والتدافع.(1/1174)


أدلة أهل البيت عليهم السلام ومن وافقهم على خلود أهل الكبائر في النار إذا ماتوا مصرين عليها
أما الذي يدل على ما ذهب إليه أئمتنا عليهم السلام ومن وافقهم في هذه المسألة من علماء الإسلام:
فقد تقدمت بعض الآيات من الكتاب، والإشارة إلى جملة من الأحاديث، ونزيدها هاهنا ما يؤكد ذلك.
فنقول: اعلم أن الآيات والأحاديث الدالة على خلود أهل الكبائر من هذه الأمة على ضربين: ضرب عام للكفار، وضرب خاص بالفساق من هذه الأمة.
أما الضرب الأول: فقد ذكر منه في المختصر الثلاث الآيات المذكورة، فنقول:
والآية الرابعة: قوله تعالى: ?إِنَّ الأَبْرَارَ لَفي نَعِيمٍ o وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ o يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ o وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ?{الانفطار:13،14،15،16}، والفاجر يعم الكافر والفاسق.
الآية الخامسة: ?وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا?{البقرة:165}، إلى قوله تعالى: ?كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ?{البقرة:167}، والظالم يعم الكافر والفاسق إجماعاً وصاحب الصغيرة على قول، وقد خصص بالإجماع فبقي في الآية الكافر والفاسق، وقد حكم بعدم غيبوبتهما عن النار وعدم خروجهما من النار نصاً صريحاً في هاتين الآيتين لا يحتمل التأويل.
الآية السادسة: قوله تعالى: ?فَأَمَّا مَنْ طَغَى o وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا o فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى?{النازعات:37،38،39}، والطاغي يعم الكافر والفاسق، وقد حكم سبحانه بأن الجحيم مأواهما معاً ومحل لبثهما جميعاً.(1/1175)

235 / 311
ع
En
A+
A-