ولما لم يكن في قوله تعالى: ?يَلْقَ أَثَامًا?، دلالة على الخلود، بل هو مجمل بينه بقوله تعالى: [ ?يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ? ]{الفرقان:69}، ثم أخرج سبحانه وتعالى التائب عن هذا الوعيد لطفاً ورفقاً بعباده سبحانه ودعاءً لهم إلى ما يُنقذ من فعل منهم أي شيء من الثلاث المآثم العظيمة التي هي أكبر الكبائر بقوله عقيب هذه الآية: ?إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ?{الفرقان:70}، فعُلم أن القاتل والزاني ليس بخارجين عن هذا الوعيد وهو مضاعفة العذاب على سبيل التخليد في جهنم ذات الوقيد إلا مع التوبة، فتكون هذه الآية مبينة للإجمال في قوله تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ?{النساء:48}، فإن فيها إجمالاً من وجهين وهما ناشئان من صفتي العموم وهي ما في قوله تعالى: ?ما دون ذلك ?، ومَنْ في قوله تعالى: ?لمن يشاء ?، فإن هاتين اللفظتين من صيغ العموم دخلهما تخصيص مجمل من حيث تعليق الغفران بمن يشاء أن يغفر له، ولم يقل لكل عاص حتى يتم مطلب الخصم، ولو قال ذلك لقلنا عام خُصِّصَ بأن أخرج منه صاحب الكبيرة للآيات المذكورة في الزاني وقاتل النفس ومطفف المكيال والميزان لقوله تعالى: ?وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ?، وآية الفرار من الزحف وهي خاصة بوعيد المسلم المقاتل للكفار، وآيات أكل الربا وأكل مال اليتيم ونحو ذلك من الآيات الواردة في وعيد أهل الكبائر من هذه الأمة.(1/1166)


ضعف استدلال الخصوم بآية:? إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ?
وبهذا الكلام تعلم ضعف استدلال الخصوم بآية: ?إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ? {النساء:116}، وقوة استدلال أئمتنا عليهم السلام قرناء الكتاب وأمناء هذه الأمة من نزول العذاب بالآيات المذكورات وغيرها من آي الوعيد، لأن ما استدل به أئمتنا عليهم السلام صرائح في المقصود إما عموماً أو خصوصاً، وما استدل به الخصم مجمل لا دلالة فيه إلا على تفضيع حال الشرك وأنه لا يبلغ درجته في القبح والفضاعة شيء من المعاصي، لذلك وردت الآية على أبلغ العبارة من عدم ذكر التوبة في هذه الآية مبالغة في تقبيحه وإحالة في العلم بأنه مغفور معها على غيرها، ومن إيراد المفعول بصفة المضارع مع أن المصدرية، ولم يقل لا يغفر الشرك بل قال: ?أن يشرك به? ليفيد أن أدنى شرك وأقله غير مغفور، ومن التسجيل على جميع المعاصي الآخرة بأنها دونه في القبح والفضاعة، وحسن في هذه الآية تجريدها عن ذكر التوبة في الشرك وفيما دونه نفياً أو إثباتاً ليخرج الكلام مع عدم ذكرها على مقتضى الحال وأبلغ الوجوه في الفصاحة والبلاغة، إذ لو ذكرت في أيهما لم يكن الكلام معها مستقيماً وسليماً عن الخلل لأنه لو قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به من دون توبة ويغفر ذلك من دون توبة كما هو مقتضى مذهب الخصم، لكان في ذلك إغراء صريح بسائر المعاصي سوى الشرك، ولو قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به مع التوبة ويغفر ما دون ذلك من دون توبة، أدى إلى سد باب التوبة عن الشرك، وإلى أن الصغائر في حق الأنبياء والمؤمنين غير مُكَفَّرة في اجتناب الكبائر، وقد دلت الآيات الآخرات على خلاف ذلك فيؤدي إلى تناقض الكتاب العزيز، ولو قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به من دون توبة ويغفر ما دون ذلك مع التوبة، لم يكن فرق في المعنى بين الشرك وغيره، ولو قال: إن الله لا يغفر أن يشرك به من دون(1/1167)


توبة ويغفر ما دون ذلك، أدى إلى فوات النكتة الملاحظة في شأن الشرك وهي التفضيع والتهويل والتقبيح لحاله، فينقض الغرض الذي سيقت لأجله الآية الكريمة، ويؤدي بمفهوم المخالفة إلى الإغراء بما عدا الشرك من جميع المعاصي، إذ يصير التقدير ويغفر ما دون ذلك من دون توبة.
فعلمت في هذا الكلام أنه لا يصح في هذه الآية الكريمة ذكر التوبة ولا تقديرها في كلتا الجملتين بحال من الأحوال، لأن المقدر كالملفوظ به، ومذهب الخصم إنما يستقيم مع تقديرها في الجملة الأولى وفي الجملة الثانية، وقد عرفت ما فيه من الفساد إذ يصير الكلام بعد التقدير المبني عليه مذهب الخصم: أن الله لا يغفر أن يشرك به من دون توبة، ويغفر ما دون ذلك من دون توبة، وفي ذلك إغراء صريح بفعل جميع المعاصي ما عدا الشرك.
فإن قيل: وكذلك مذهبكم فإنه لابد فيه من التقدير في الجملة الأولى مطلقاً وفي الثانية مفصلاً بين الكبيرة والصغيرة، لأن بمقتضى مذهبكم أن جميع الكبائر لا يكفرها إلا التوبة يصير التقدير: إن الله لا يغفر أن يشرك به من دون توبة ويغفر ما دون ذلك من دون توبة في بعض المعاصي وهي الصغائر، فكيف قلتم لا يصح تقدير التسوية في هذه الآية بحال من الأحوال مع أنه لابد منه، وفيه ما لا يخفى من الإغراء الصريح بفعل الصغيرة وهو لا يجوز ؟(1/1168)


قلنا: هذا التقدير وإن كان صحيحاً ولا بد منه على مذهبنا إلا أنا نقول لا حاجة له ولا يصح التقدير بحال من الأحوال لما فيه من الإخلال بالفصاحة وفوات النكتة بتفضيع حال الشرك وعدم الفرق بينه وبين سائر الكبائر، فمقتضى الحال عدم تقديره لأن المقدر كالملفوظ به، ويلاحظ معناه في تصحيح المذهب أَخْذاً لذلك من الآيات الأُخر الدالات عليه وتبقى الآية على ظاهرها مجردة عن ذكر التوبة بعدم التعرض لها لا في اللفظ ولا في التقدير، ليتم المراد مما سيقت له وهو تفضيع حال الشرك والفرق بينه وبين سائر الكبائر في القبح والفضاعة لا في كون الكل لا يكفره إلا التوبة، وأما قول السائل أن فيه ما لا يخفى من الإغراء الصريح بفعل المعصية الصغيرة وهو لا يجوز فالإلزام مشترك على أنا نقول في دفعه: أنه لا يلزم ذلك إلا لو كانت الصغيرة متعينة، أما إذا ضبطنا الكبيرة بحد من الحدود ثم قلنا وما عدا ذلك فملتبس لم يلزم الإغراء، فتأمل.
وحينئذ فقد ظهر لك أيها الطالب الرشاد أنه لا دلالة في الآية الكريمة على مذهب الخصم أن الكبائر مفغورة بغير توبة ما عدا الشرك، وأنها لم تسق لهذا المعنى الكاسد الداعي إلى ارتكاب جميع المفاسد، وحاشا كلام الله أن يساق إلى نحو هذه العقائد التي هي فتنة كل جبار معاند، وإنما سيقت لغرض آخر وهو ما ذكرناه من تفضيع حال الشرك وتقبيحه على أبلغ الوجوه، وهذا غرض صحيح وأي صحيح تحق لآيات الله أن تنزل به من العزيز الحكيم، ويصح وروده في خطاب الله لكل ذي عقل سليم واعتقاد مستقيم، وحجة قائمة من الله على كل ذي ريب سقيم، والغفران فيها مجمل من جهة المغفور ومن جهة المغفور له، والمجمل لا دلالة فيه إجماعاً، والإجمال في هذه الآية هو مقتضى الحال وموجبة لما فيه من الحكمة والمناسبة لما سيقت له كما قد علمت.(1/1169)


وإنما قلنا: إن الغفران في هذه الآية مجمل، لأنه وإن كان بالنظر إلى قوله: ?ويغفر ما دون ذلك? مبيناً فإنه بسبب تقييده بالمشيئة صار مجملاً من حيث لم يعلم بعد ذلك من الذي يشاء أن يغفر له ومن الذي لا يشاء أن يغفر له، ولو قال: لكل عاص، لصار مبيناً لا إجمال فيه لأنه عام، ولكن شأن العام صحة تخصيصه، فلو وردت الآية على هذا الوجه لم يكن فيها دلالة أيضاً على مذهب الخصم للآيات الدالة على تخصيص أهل الكبائر كما مر ذكره، لأن العام إذا خصص بطلت دلالته على ما تناوله الخاص إجماعاً وبقيت دلالته فيما عداه لا غير على خلاف في ذلك، الصحيح بقاؤها قطعاً في القطعيات وظناً في الظنيات.(1/1170)

234 / 311
ع
En
A+
A-