الثالث: قول أبي حنيفة وبعض من الزيدية وهو قول طائفة من المتسمين بأهل السنة الوقف، وهو يحتمل الوقف عن الدخول وعدمه، ثم الوقف عن الخروج وعدمه، والقائل بالخروج إما بالشفاعة أو بالعفو من دونها، وبهذا التفصيل يعلم ما أفاده الجلال من الاختلاف إلى خمسة أقوال، لأن أهل الوقف صاروا ثلاث فرق، قائل بالوقف عن الدخول وعدمه وهو مذهب أبي حنيفة، وقائل بالوقف عن الخروج بعد القطع بالدخول، وقائل بالوقف عن الدخول فإن دخلوها فيقطع بخروجهم عنها، لكن حيث أن الوقف قد جمع الثلاث الفرق، فالأَوْلَى جعل التقسيم ثلاثة أقوال وإن تفرعت الأقوال إلى أكثر ولا مشاححة في مثل هذا.
والدليل على مذهب القول الأول: الكتاب، والسنة، وإجماع العترة عليهم السلام.
أما الكتاب: فآيات كثيرة وهي على ضربين:
ضرب عام: لوعيد العصاة كفاراً كانوا أو فساقاً.
وضرب خاص: بوعيد العصاة من أهل الفسق من هذه الأمة.(1/1161)


الأدلة على دخول أهل الكبائر النار وخلودهم فيها ولا شفاعة لهم
وقد نازع فيهما المخالفون بأن دلالة الأول دلالة عموم وهي دلالة ظنية ومعارضة بمثلها من عمومات الوعد بالثواب وإنكار ورود الضرب الثاني من حيث هو عند بعضهم، وقالوا: لا وعيد على مسلم أو تأويله بأنه مشروط بعدم العفو والشفاعة. وإذا حققت المسألة علمت أن العمدة فيها طرفان:
أحدهما: إقامة الأدلة القاطعة على دخول أهل الكبائر من هذه الأمة النار.
الثاني: فقد الدلالة على الخروج.
ثم تبقى أدلة الخلود والأحاديث الدالة على انتفاء الشفاعة لمن فعل شيئاً من الكبائر كقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن قتل ذريته: " لا أنالهم الله شفاعتي ولا رأوا جنة ربي "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل حلف بعد العصر " الحديث، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ستة أنا خصمهم يوم القيامة: ناكح البهيمة ولاوي الصدقة " الحديث.
وأحاديث تعليق استحقاق الشفاعة ونيلها بفعل بعض الطاعات كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من حفظ لأمتي أربعين حديثاً بعثه الله فقيهاً وكنت له يوم القيامة شفيعاً "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " أقربكم مني يوم القيامة منزلاً وأوجبكم علي شفاعة: أصدقكم لساناً وأداكم أمانة "، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قال حين يسمع المؤذن كما يقول وجبت له شفاعتي "، وفي بعض الأحاديث:"حلت له الشفاعة".
وكذلك الأحاديث الواردة في نفي دخول الجنة لمن ارتكب بعض الكبائر كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق السحر ".
كل هذه الاعتبارات تبقى مؤكدة لما دل عليه الطرفان المذكوران من دخول أهل الكبائر من هذه الأمة، وفقد الدلالة على الخروج نسأل الله السلامة منها.(1/1162)


أما الطرف الأول: فالذي يدل عليه ما ذكره عليه السلام بقوله [ لقوله تعالى: ?إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ? ]{الزخرف:74}، وربما يتعلل متعلل بأن الخلود لا يفيد الدوام بل قد ينقطع كما يقال: خلد السلطان فلاناً في السجن، فالجواب على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن هذا تأويل خلاف الظاهر وهو لا يجوز، بل قام الدليل القاطع على بطلان هذا التأويل وهو ما ذكره عقيب هذه الآية، وهو قوله تعالى: ?لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ?{الزخرف:75}، فإذا انتفى أن يفتر عنهم العذاب فانتفى ارتفاعه بالخروج من باب الأولى المعلوم من ضرورة الكلام.
الثاني: أن قولهم: خلد السلطان فلاناً في السجن، وكذلك قولهم في الدعاء للملك: خلد الله سلطان الملك مجاز، لأن الخلود حقيقة في اللبث غير المنقطع لقوله تعالى: ?وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ ?{الأنبياء:34} إذ لو استعمل حقيقة في اللبث المنقطع لانتقضت الآية بمن تعمر أكثر من تخليد سلطان الملك، وتخليد فلاناً في السجن، سيما أهل القرون السابقة كآدم ونوح عليهما السلام ونحوهما.(1/1163)


فحينئذ ثبت أن الخلود هو: اللبث الدائم غير المنقطع، وقد يؤكد بعده بالتأبيد كما في كثير من الآيات خالدين فيها أبداً، فليس إلا للتأكيد، والنص على دفع إرادة التجوز وقطع طماعية أهل الريب عن ارتفاع العذاب، وقطع تجويز المؤمن خروجهم من الجنة فيكون معهم من اليقين ما تطمئن به نفوسهم من عدم الخروج، ووجه الاستدلال بهذه الآية على دخول أهل الكبائر النار ما أشار عليه السلام بقوله [ والفاسق مجرم كالكافر، ] هذه المقدمة الصغرى وهي معلومة قطعاً ولا مخالف فيها، أعني في كون الفاسق مجرماً، وأما قوله: كالكافر، فمراده عليه السلام التشبيه والتعميم لا التوصل بالقياس إلى العلم يكون الفاسق مجرماً لأن الأسماء لا تثبت بالقياس ولأن ذلك معلوم ضرورة بلا تناكر فيه، والمقدمة الكبرى مأخوذة من الآية الكريمة لأن العموم في المجرمين والخبر عنهم بالخلود في النار بمنزلة قولنا: وكل مجرم في عذاب جهنم خالد [ و ] كذلك [ قوله تعالى:?وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ]{الجن:23}.(1/1164)


[ و ]وجه الاستدلال بها أن [ الفاسق عاص كما أن الكافر عاص، ] وهي في تركيب المقدمتين وإرادة التعميم دون التوصل بالقياس كما ذكر في الآية الأولى [ فيجب حمل ذلك ] اللفظ في الآيتين [ على عمومه، ] لأن أل في المجرمين لاستغراق الجنس كما هي القاعدة في: أل الداخلة على اسم الجنس إن لم يكن معهوداً أو قصد به تعريف الماهية، فيكون المراد بها حينئذ التعميم لمدخولها، وكذلك لفظة: مَنْ، فإنها موضوعة للعموم في الخبر والاستفهام، فتعم كل فرد متصف بما ذكر بعدها صلة لها وهو قوله: ?يعص الله ورسوله ?، ولا يخرج من أفراد ذلك العموم شيء [ إلا ما خَصَّتْه دَلاَلَةٌ، ] قاطعة، ولا دلالة قاطعة هاهنا إلا ما أجمعت عليه الأمة وهو التائب وصاحب الصغيرة، فإخراج الخصوم صاحب الكبيرة عن هذا العموم لا دليل عليه، وكل ما لا دليل عليه لا يجوز القول به، ثم إن قام الدليل على بطلانه وجب نفيه، وسنقيم الدلالة على بطلان مدعاهم حتى يتمحص - أي يتحقق - القول ببطلانه ووجوب نفيه، [ و ] مثل هاتين الآيتين [ قوله تعالى ]: ?وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا? ]{الفرقان:68}، فإنه - أي لُقْيَا الأثام - عام لكل من قتل نفساً محرمة من كافر أو مسلم، ولكل زان من كافر أو مسلم، ويؤيده قوله تعالى: ?وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ?{النساء:93}، فإنها لا يمكن قصرها على القاتل الكافر لمجيئها وسياقها في مساق أحكام قتل المسلمين في الخطأ وفي المعاهد، ثم عقبه بذكر حكم القاتل للمؤمن عمداً، لكن أتى بصيغة العموم ليتناول القاتل الفاسق والكافر مع العمد في ذلك الوعيد الذي ما عليه من مزيد.(1/1165)

233 / 311
ع
En
A+
A-