قلنا: تأويل خلاف الظاهر بلا دليل، وهو لا يجوز، بل قام الدليل على بطلانه لأنه تعالى قسم المعاصي إلى كبائر وصغائر فقال: ?إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ?، فافهم أن ثمة صغائر وسماها سيئات، وجعل جزاء الشرط تكفيرها في مقابل اجتناب تلك الكبائر، فلو كانت السيئات المرادة بالتكفير كبائر لناقض الكلام ولصار التقدير: إن تجتنبوا الكبائر نكفر عنكم الكبائر، وهذا كلام متهافت لا يجوز تأويل كلام الحكيم سبحانه إلى ما يؤدي إليه، وإنما اعتبرت الصغائر في حق المؤمن تكرماً منه تعالى وتفضلاً لما أنه - أي المؤمن - اجتنب الكبائر، فعلم أنها أي الصغائر غير مغتفرة في حق الكافر والفاسق لعدم حصول المقتضي لإسقاطها وغفران عقابها وهو اجتناب الكبائر وهذا واضح.
نعم قد مرت الإشارة في مقدمة الباب إلى أن الصغائر الواقعة من المؤمن يسقط من ثواب طاعات فاعلها بقدرها أو من أعواض آلامه وامتحاناته، فلا ينافي ذلك قولنا هاهنا: إنها مغتفرة في اجتناب الكبائر، لأن المراد هاهنا أنه لا يناله منها عذاب حقيقي من إضرار بنار أو ضرب بمقامع أو إفزاع مهيل دون إسقاط شيء من ثوابه وأعواضه، فلا ضير إلا أنه ينبغي بل يجب توقي تلك الصغائر لئلا يحبط شيء من ثوابه وأعواضه، وهذا نظر إلى الاستحقاق العقلي كما مر، لئلا يلزم التسوية بين من أفرط من ارتكابها ومن اقترف اليسير منها ومن لم يقترفها أصلاً، فأما بالنظر إلى ظواهر الآيتين المذكورتين، فظاهرهما إسقاط عقاب الصغائر عن المؤمن رأساً وفضل الله واسع، غير أن التأويل على غير ما يوافق الدلالة العقلية هو الأولى، والله أعلم.(1/1151)
ويمكن أن يقال في ذلك: إن من لم يقترف الصغائر رأساً أو لم يقترف منها إلا اليسير يزاد في ثوابهما وأعواضهما زيادة لا ينالها من أفرط في ارتكابها ولا يحبط شيء من ثواب وأعواض مرتكبها فلا تلزم التسوية، وهذا أحسن الاحتمالات لسلامته عن التأويل، وبقاء الآيتين معه على ظاهرهما، والله أعلم.
واختلف في حد الكبيرة، فروى في الأساس عن الناصرية قال: وهو ظاهر كلام الهادي عليه السلام وصريح قول ولده المرتضى عليه السلام في كتاب الإيضاح، وقول القاسم بن علي العياني في كتاب التنبيه والدلائل وهو قول البغدادية: إن كل عمد كبيرة، والصغيرة ما صدر عن سهو أو إكراه أو تأويل أو نحو ذلك، كما يصدر ممن لم يعلم التحريم فيما يدخله الخفاء دون ما يعلم تحريمه عند الفاعل أو يمكنه العلم، فترك النظر إيثاراً للهوى وميلاً إلى اللذات واتباع الشهوات، وقال بعض أئمتنا عليهم السلام والبصرية: بل الكبيرة ما يوجب فيها حداً أو وصفت بالعظم والكِبَر أو الغضب على فاعله أو الفحش أو الإحباط أو نحو ذلك، وما عداه فملتبس.
وقال القرشي في المنهاج وغيره من أهل الموازنة: بل الكبيرة ما زاد عقاب صاحبها على ثوابه في كل وقت، قال: وقلنا: صاحبها ولم نقل فاعلها، لأن الكبيرة قد تكون من باب التروك، وقلنا: في كل وقت، لأنه ربما يفعل طاعة يستحق عليها عشرة أجزاء من الثواب في كل وقت، ثم إذا لبث عشرة أوقات صار له مائة جزء من الثواب، فلو فعل معصية يستحق عليها أحد عشر جزء من العقاب في كل وقت لكانت كبيرة بالنظر إلى عشرة الثواب التي يستحقها في كل وقت، ولا عبرة بما اجتمع له في الأوقات الماضية، لأنه لا يستحق في كل وقت، قال: والصغيرة هو ما يستحق صاحبها من الثواب في كل وقت أكثر من عقابها في كل وقت والاحتراز ما تقدم.(1/1152)
قلت: وهو كلام جيد، لكن قوله: لا عبرة بما اجتمع له من الأوقات الماضية الخ، يحتاج إلى دليل، لأن المائةَ الجزء إذا اجتمعت له ولم يكن عليه من العقاب إلا دونها من الأجزاء فما المانع من سقوط الأقل وهو العقاب، ويبقى الأكثر وهو الثواب، فلا يكون صاحب الكبيرة وكذا في العكس، وقيل: بل الكبيرة: ما توعد الله صاحبها النار بعينها، قال شيخنا رحمه الله تعالى: وهو نص الهادي عليه السلام في الأحكام في باب الكبائر من كتاب الزهد.
قلت: وهو أقوى الأقوال لأن المعصية لو كانت صغيرة ما توعد صاحبها بالنار عليها خلا أنه يمكن أن يقال: إن الوعيد عليها بالنار مشروط من جهة المعنى بعدم وجود طاعات تزيد ثواباتها على عقاب تلك المعصية، فلا تكون الدلالة قطعية في حق من له طاعات كثيرة، وصدرت منه تلك المعصية على جهة الندرة لقوله تعالى: ?إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السيئات?{هود:114}، والله أعلم.
ثم اعلم أنه قد وقع الاتفاق على كبر بعض المعاصي، فيقطع بكبرها وهلاك مرتكبها مع الإصرار عليها وهي: الشرك بالله تعالى، والزنا، وقتل النفس المحرمة، وشرب الخمر، وأكل الربا، وقذف المحصنات، والإلحاد في الحرم، والسرقة، وعقوق الوالدين المسلمين، وزاد الجمهور الخروج على الإمام، وبعضهم البغي على المحق مطلقاً، وزاد بعضهم النميمة لقوله تعالى: ?إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ?{الحجرات:6}الآية.
إذا عرفت أهل الكبائر فالكلام يتعلق بهم في مسألتين من مسائل الاعتقاد ذكرهما عليه السلام في هذا الفصل لكونهما من أصول الدين الواجب معرفتها على كل مكلف، مع أن كثيراً من المكلفين لم يعلموا ذلك كالعوام وكثير من النساء والعبيد ونحوهم ممن أغفل النظر في ذلك، فالأظهر أن وجوب ذلك على العلماء ومن اطلع على فعل الكبيرة ممن عداهم لما يتعلق بذلك من الموالاة والمعاداة والمعاملات الآتي تفصيلها في فصل الفاسق، والله أعلم.(1/1153)
ويمكن أن يقال: إن وجه وجوب معرفة ذلك لما فيه من الالتطاف الداعي لمن عرف هاتين المسألتين إلى ترك الكبائر، لكنه معترض بأنه ليس كل لطف يجب تحصيله أو معرفته، بل القصد اجتناب المعاصي سواء عرف ما هو لطف فيه أو لم يعرف مهما لم يقترفها، وليس الالتطاف مقصوراً على معرفة حكم صاحب الكبيرة وما إليه مآله، بل هو مبني على العلم بكون الفعل معصية، وإن كان في العلم بذلك زيادة في الالتطاف فالزيادة لا تجب معرفة ما تحصل به إلا إذا لم يحصل الاجتناب من دون معرفته والله أعلم.
قال عليه السلام [ فإن قيل: ] لك أيها الطالب الرشاد [ فما تدين به في أهل الكبائر سوى أهل الكفر ؟ ]، إنما قال: سوى أهل الكفر، ليكون الكلام خاصاً بمن فعل هذه الكبائر أو شيئاً منها من المسلمين دون من فعلها من الكافرين فلا كلام فيه فيما نحن بصدده، ولعله عليه السلام إنما عدل عن التعبير بفاعل إلى أهل ليشير إلى أن هذا حكم المصر دون من صدرت منه على جهة الندرة وله طاعات كثيرة بناء على الموازنة ودون التائب، فإن الأول لا يعلم حكمه إلا الله تعالى لجواز انقلابها في حقه صغيرة، بل قد قال الإمام القاسم بن محمد عليهما السلام في الأساس: يجوز العقاب على بعض الكبائر في الدنيا فلا يعاقب عليها في الآخرة، والثاني: مقطوع بأنه من المؤمنين الناجين، [ فقل: ] أدين الله فيهم بأمرين: أحدهما: فيما يتعلق بهم من الأسماء الشرعية من معرفة ما يجوز عليهم منها وما لا يجوز. والثاني: فيما يتعلق بهم من معرفة مآلهم في الآخرة.
وقد أفرد المتكلمون لكل منهما مسألة أو باباً أو كتاباً على حدته كما في المطولات.(1/1154)
المنزلة بين المنزلتين
المسألة الأولى:
وتسمى مسألة: المنزلة بين المنزلتين.
ومعنى المنزلة بين المنزلتين: الشيء بين الشيئين، لما كان لأهل الكبائر من هذه الأمة أسماء وأحكام بين أسماء المؤمنين وأحكامهم، وبين أسماء الكافرين وأحكامهم، فأشار إلى ذلك عليه السلام بقوله: فقل [ أُسميهم فُسَّاقاً، ]،وقد صار هذا الاسم يعني اسم الفاسق عند المتكلمين حقيقة دينية فيمن ارتكب الكبيرة من هذه الأمة، وهو مأخوذ من الفسق.
وهو في اللغة: الخروج عن القصد، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وفسق عن أمر ربه - أي خرج ـ.
وفي الشرع: ارتكاب معصية كبيرة لم يدل دليل شرعي على خروج صاحبها من الملة.
وقد اختلف في صاحب الكبيرة فقالت العترة عليهم السلام وأتباعهم الزيدية والمعتزلة: إنه يسمى فاسقاً ولا يسمى مؤمناً ولا كافراً ولا منافقاً.
وقالت الأشعرية وغيرهم من المرجئة: بل يسمى فاسقاً لفعله الفسق وهو الكبيرة، ويسمى مؤمناً لفعله الإيمان وهو التصديق بالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم.
وقالت الخوارج: إنه يسمى كافراً بناءً على أصلهم أن العصيان كفر.
وقال الحسن البصري: إنه يسمى منافقاً.(1/1155)