المسألة الثانية: مصير الكافرين إلى النار وخلودهم فيها أبداً
أشار إليها عليه السلام بقوله [ وأدين الله بأنه لابد من عقاب الكافرين ] وسيأتي الكلام في حد الكافر في فصل الإكفار إن شاء الله تعالى، [ في جهنم العذاب الأليم، ] أي المؤلم كقوله: تحية بينهم ضرب وجيع - أي موجع - [ وشراب الحميم، ] أي الحار الشديد الحرارة [ وشجرة الزقوم طعام الأثيم، ] قال في الكشاف: في شجرة ثلاث لغات: - فتح الشين وكسرها - وشيرة والزقوم، قال الرازي: قال الواحدي: لم يذكر المفسرون للزقوم تفسيراً إلا الكلبي فإنه روى أنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزُّبَعْرَى: أكثر الله في بيوتكم الزقوم، فإن أهل اليمن يسمون التمر والزبد بالزقوم هاهنا الزبد والتمر. قال ابن دريد: لم يكن للزقوم اشتقاق من التزقم وهو الإفراط من أكل الشيء حتى يكره ذلك يقال: بات فلان يتزقم، وظاهر لفظ القرآن يدل على أنها شجرة كريهة الطعم منتنة الرائحة شديدة الخشونة موصوفة بصافات كل من تناولها عظم من تناولها، ثم أن الله تعالى يكره أهل النار على تناول بعض أجزائها انتهى، وفي تفسير أبي السعود: والزقوم: اسم شجرة صغيرة الورق ذفرة مُرَّة كريهة الرائحة تكون في تهامة سميت به الشجرة الموصوفة، والأثيم: فعيل مبالغة في فاعل - أي كثير الإثم - وصف سبحانه وتعالى هذه الشجرة بأوصاف كلها مهيلة منها قوله: ?إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ?{الصافات:64}، أي منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى درجاتها كما في أبي السعود، وفي الكشاف والرازي: إلى دركاتها، والمعنى واحد إلا أن الدركات تستعمل خاصة في الشر، والدرجات في الخير أو الشر، وهذا يدل على عظمها، ومنها قوله ?طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ?{الصافات:65}، وهذا يدل على كراهة منظرها بالقبح والهول، والطلع أول التمر، ثم يصير خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب ثم تمر، شبه الطلع برؤوس الشياطين لتناهيه في(1/1146)
القبح والهول وهو تشبيه بالمخيل في القبح، وعكسه تشبيه الفائق في الحسن بالمَلَك، وقيل الشياطين: الحيات الهائلة القبيحة المنظر، وقيل: إن شجراً يقال له الأستن خشناً منتناً مراً منكر الصورة يسمى ثمره: رؤوس الشياطين، ومنها أن أهل النار يأكلون من هذه الشجرة أو من طلعها فالتأنيث في قوله تعالى: ?فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا ?{الصافات:66}، باعتبار المضاف إليه لكون الطلع من الشجرة، فيملئون بطونهم من الأكل منها لقوله تعالى: ? فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ?{الصافات:66}، لغلبة الجوع مع كونها أخبث مأكول لكن ضرر الجوع حملهم على الأكل منها وهذا هو الأظهر، وقال الرازي وأبو السعود: أو أن الله سبحانه وتعالى أو الزبانية يكرهونهم على الأكل منها زيادة في التعذيب، ومثله في الكشاف، ثم إذا ملؤوا بطونهم من ذلك الأكل حصل معهم العطش الشديد فلا يجدون ما يشربونه إلا الحميم كما قال تعالى: ?فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ o فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ?{الواقعة:54،55}، وهي الإبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها تشرب معه فلا تروى، جمع أهيم وهيماء كناية عن فرط عطشهم، قال:
صداها ولا يقضي عليها هيامها
فأصبحت كالهيماء لا الماء مُبَرِّدْ(1/1147)
فيجتمع عليهم العذاب بفرط الجوع الحامل لهم على أكل أخبث الأشجار، وفرط العطش الحامل لهم على شرب الحميم أشد المياه حرارة حتى انتهى غليانه، ومنها قوله: ?كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ o كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ?{الدخان:45،46}، قيل هو ذائب الفضة والنحاس لفرط حمى النار، وقيل: هو رديء الزيت، فوصف الشجرة نفسها أنها تغلي في البطون كما يُغلى الماء الحميم، ثم وصف حال المعذب بعد ذلك بقوله: ?خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ?{الدخان:47}، أي قودوه بعنف وغلظة وهَوان إلى سواء الجحيم إلى وسطها ومعظمها،? ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ ?{الدخان:48}، جعل المصبوب عذاباً لا ماء، ذا عذاب نسأل الله السلامة من النار.(1/1148)
[ و ] أدين الله تعالى [ أنهم ] أي الكفار [ مُخَلَّدون فيها أبداً، ] والخلود: البقاء الذي لا انقطاع له، والأبد: الزمن الغير المتناهي [ ويلبسون ثياباً من نار، ] لما ذكر عليه السلام في المسألة الأولى لباس أهل الجنة ومر أنه من حرير وسندس وإستبرق ذكر في هذه المسألة لباس أهل النار أنه من نار [ و ] أنه [ سرابيل القَطِران، ] والسرابيل: جمع سربال وهو كالدرع والقميص ونحوهما مما يلبس، والقطران:معروف يطبخ من أشجار مخصوصة كالأبهل والشربين فيجتمع على المعذب لدغ القطران وشدة لهب النار، ?وَلَهُمْ فيها مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ?{الحج:21}، [ ?كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ? ]{النساء:56}، نسأل الله السلامة،[ وكل ذلك ] المذكور في هذا الفصل من دخول المؤمنين الجنة ومصيرهم إلى ما ذكر من النعيم المقيم وخلودهم فيها، ودخول الكفار النار ومصيرهم إلى ما ذكر من العذاب الأليم وخلودهم فيها [ معلوم من الدين ضرورة ] لا ريب في ذلك وهو إجماع المسلمين، وإن نقل عن مقاتل بن سليمان شيء في وعيد الكفار فقد اضطربت عنه الرواية فقيل: إنما ينكر وعيد المسلمين دون وعيد الكافرين، وقيل: بل ينكر الوعيد على الإطلاق والله أعلم، على أنه لا اعتبار بالخلاف المصادم لما علم من الدين ضرورة كما لو فرض مخالف في وجوب الصلاة وصوم رمضان ونحو ذلك فلا التفات إلى ما هذا حاله، بل المخالفة فيه كفر بما جاء به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه تكذيب له صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبر.
I(1/1149)
فصل في الكلام على أهل الكبائر من هذه الأمة
الكبائر والمعاصي ومعرفة حديهما
وينبغي أولاً تقديم الكلام في قسمة المعاصي إلى صغائر وكبائر، ومعرفة حديهما، والخلاف في ذلك، قال في الأساس: قال أئمتنا عليهم السلام والجمهور: والمعاصي صغائر وكبائر، وقالت الخوارج والإسفرائيني من المجبرة وموافقوه: بل كبائر فقط، أما الخوارج فلأن كل معصية عند بعضهم توجب الكفر، وعند بعضهم كل ما ورد فيه وعيد أوجب الكفر، وعند بعضهم كل ما ثبت في العقل تحريمه ففعله كفر ولا صغيرة عندهم جميعاً، وأما الإسفرائيني فهذه رواية صاحب الفصول عنه كما ذكره شارح الأساس قال: ولعله يقول: إنها كبائر وإن جوز العفو عنها أو عن بعضها، والله أعلم.
لنا: قوله تعالى: ?إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا?{النساء:31}، وقوله تعالى: ?الَّذِينَ يجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللَّمَمَ ?{النجم:32}، والمراد باللملم: الصغائر، وقوله تعالى: ?لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا ?{الكهف:49}، وغير ذلك.
فإن قيل: الصغائر لا يعاقب عليها، فالمراد حينئذ ما اعتقدوه صغيراً وهو في نفس الأمر كبيراً.(1/1150)